بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤١٥ - الصّورة السّادسة تعارض الظاهرين
على الجمع لا على الطرح هذا و ليس الأمر هنا مثل ما عرفت في محلّه و هي غير جارية في المقام كما ستعرف و التحقيق هو أنّهم إن أرادوا بطلان الجمع في المتباينين المتكافئين اللّذين لم يكن كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر من باب تعارض النصّ و الظاهر أو الظاهر و الأظهر بحيث لو علمنا بصدورهما لا يسعنا إلاّ الحكم بالتوقف و الإجمال فهذا في البداهة كالنار على المنار فلا يحتاج إلى إقامة الدّليل و لا يقتضي هذا البحث الطّويل بل الأحرى إحالته على الوجدان و العيان لا على البيّنة و البرهان ضرورة استحالة الجمع هنا و مجرّد الحكم بصدورهما ثم الحكم بإجمالهما ليس جمعا و لا متعلّقا بغرض الأصولي نعم لو بنينا على السّببيّة في الأخبار اتّجه الجمع بينهما في العمل كتعارض البينتين من باب السّببية حسبما نشير إليه في تأسيس الأصل إن شاء اللّه سبحانه و أمّا على المختار من الطريقة فلا بدّ من التوقف و عدم الأخذ بشيء منهما سواء تعبّدنا بصدورهما و حكمنا بإجمالهما و لم نتعبّد بالصّدور رأسا من غير فرق بينهما علما أو عملا و إن أرادوا بطلان الجمع مطلقا حتّى فيما لو كان كلّ منهما بالنّسبة إلى الآخر من قبيل تعارض النصّ و الظاهر و هو الّذي عبّرنا عنه بالنصّ و الظّاهر الإضافيين في صدر الأقسام ففي جميع الأدلة المذكورة نظر واضح إذ لو سلكنا هنا مسلك الجمع لم يلزم خلو أخبار التخيير و الترجيح عن الفائدة و بقائها بلا مورد و لا مخالفة طريقة الأصحاب في الأخبار المتعارضة و إجماعهم بل الظّاهر أن عملهم و طريقتهم عليه كما هو ظاهر عند العارف بطريقتهم و العالم بشيء قليل من المسائل الخلافية في العبادات و المعاملات فضلا عن كثيرها و أمّا الدليل الثالث و هو عدم الأولوية ففيه ما لا يخفى لأنّ دليل الجمع الّذي قرّرناه في النصّ و الظّاهر الحقيقيين يأتي هنا حرفا بحرف من غير تفاوت فإنّه لو ورد أكرم العلماء و ورد أيضا لا تكرم العلماء و رأيتهما في الكتاب العزيز أو في السّنة المتواترة كان صدور كلّ منهما قرينة صارفة للتخصيص في الآخر لاستحالة التناقض فلا بدّ من صرف ظاهر كلّ منهما بصريح الآخر فإذا كان أكرم العلماء صريحا في الأنبياء أو العدول و ظاهرا في غيرهما و كان قوله لا تكرم العلماء صريحا و نصّا في الكفّار و الفسّاق مثلا كان كلّ منهما في قبال الآخر من قبيل الخاص في مقابل العام و قد عرفت في دليل الجمع سابقا أنّه لا يتوهّم المعارضة بين أصالة العموم و أصالة سند الخاصّ نظرا إلى كون اعتبار أصالة العموم معلّقا على عدم القطع بالتخصيص و دليل التعبد بسند الخاص ينزله منزلة القطع فيكون دليل اعتبار سنده حاكما على دليل اعتبار أصالة العموم و هكذا في كلّ ظاهر مقابل للنصّ أو الأظهر (و الحاصل) أنّك بعد ما عرفت أنّ أحد الدّليلين إذا كان أقوى دلالة من الآخر يجب الأخذ به إذا كان قطعيّا عرفت أيضا أنّه يجب الأخذ به إذا كان ظنيّا لأنّ دليل اعتباره يجعله بمنزلة القطعي في ترتيب جميع ما يترتب من الآثار الشرعية عليه و لو كان بتوسّط ألف مقدّمات غير شرعية فالفرق بين النصّ و الظاهر القطعيّين و الظنّيين أو الفرق بين الحقيقيين كأكرم العلماء و لا تكرم زيدا أو الإضافيّين كالمثال المذكور شطط من الكلام و قصورا و تقصيرا في تحقيق المقام و من هنا ظهر أن ما عن الشيخ (قدّس سرّه) من الجمع بين قوله (عليه السلام) و ثمن العذرة سحت و قوله (عليه السلام) لا بأس بثمن العذرة بحمل الأوّل على عذرة الإنسان و نحوه و حمل الثاني على عذرة الطاهرة في غاية الاستقامة و الجودة من غير حاجة إلى طلب شاهد خارجي عليه لأنّ الأوّل نصّ في النجسة و الثاني في الطاهرة فمقتضى القاعدة الجمع بينهما و لو كان من أخبار الآحاد كما لو كانا قطعيي الصّدور هذا كلّه في المتباينين و أمّا القسم الثاني و هو ما لو كان النسبة بين الظّاهرين المتعارضين عموم من وجه ففيه تفصيل لأنهما إن كانا متنافيين و متناقضين بأن يكون أحدهما مثبتا و الآخر نافيا و بالجملة يكون تعارضهما بالذات من حيث تنافي النفي و الإثبات فالتحقيق فيه أيضا ما عرفت في المتباينين و قد يقال بالفرق بينهما في الأدلّة الثلاثة المذكورة أمّا الإجماع و خلو الأخبار عن الفائدة فلأنا لو بنيناها على الجمع لم يلزم مخالفة الإجماع و لا خلو الأخبار عن الفائدة لأن كثيرا من العلماء يحكمون فيها بالإجمال و لا يرجعون إلى أخبار التخيير و الترجيح و يكفي العمل بهما في غيرهما موردا لهما كما
لا يخفى و أمّا الدليل الثالث و هو عدم الأولوية فلأنّ الطّرح فيه مستلزم للتفكيك في سند المطروح ضرورة اختصاص مطروحيّته بمادة الاجتماع و أمّا غيرها فلا بدّ فيه من العمل بالمطروح و من هنا أمكن أن يقال إنّ التعبّد بالسّندين و الحكم بإجمالهما دون التخيير و الترجيح أولى من طرح أحدهما و إنكار التفكيك المذكور لما فيه من البعد عن الاعتبار كما لا يخفى إلاّ أنّه مردود أيضا بأنّ التفكيك في التعبّد في الشرعيّات أكثر كثير و لا غرو فيه و لا بعد و إنّما البعيد أو الممتنع هو التفكيك في الاعتقاد و الظّن و هو غير ملحوظ في الأدلّة الشرعية و إن كانا متضادين بأن كان منشأ التعارض تضاد الحكمين مع كونهما مثبتين أو منفيين فهذا ممّا لا بدّ فيه من الجمع لأنّ إطلاق كلّ منهما يقيّد بالآخر و لا مانع منه و مجرّد كون النّسبة العموم من وجه لا يقتضي بالإجمال أو الرّجوع إلى التخيير أو الترجيح كما لو ورد إذا ظاهرت فأعتق رقبة و ورد أيضا إذا ظاهرت فأكرم مؤمنا فإنّ النّسبة بينهما عموم من وجه و لا تعارض بينهما في مادة الاجتماع و هو عتق المؤمنة و إنّما التعارض في مادة الافتراق فإنّ إطلاق الأوّل قاض بجواز عتق الكافرة أيضا و ينافيه إطلاق الثاني لأنّ مقتضاه وجوب إكرام المؤمن و عتق الكافرة و ليس من مصاديق إكرامه فجميع