بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٨ - بقي الكلام في التفصيل بين الرفع و الدّفع
دون التقدم الزماني نظرا إلى ما هو كالبديهيات في معنى المقدّمة فسلب المقدّمية و الموقوفية عن عدم الضدّ المعدوم بعد الاعتراف بتمانع الضدّين و إنكاره على المحقق السّبزواري (رحمه الله) القائل به ممّا لا يرجع إلى محصّل نعم المقدّمات المقارنة مقدّمات حاصلة فإذا صدر الأمر بشيء تعلّق الوجوب المقدّمي بما عداها فالوجوب المقدّمي لا يتعلّق بعدم ضدّ المأمور به إذا كان معدوما و هو الدفع لأنّه باعتبار كونه مقدّمة حاصلة يمتنع تعلّق الطّلب بها لكونه تحصيلا للحاصل فهذا التفصيل يرجع إلى التفصيل في وجوب عدم الضدّ من باب المقدّمة إلى التفصيل في أصل عنوان كونه مقدّمة لفعل الضدّ و عدم صدق المقدمة على الجزء ممنوع بل المصرّح به خلافه و إن ادعي الإجماع على وجوبه نظرا إلى حيث كونه جزءا كما سبق مفصّلا في المسألة السّابقة و حينئذ لا مفر له عن الدّور الّذي أورده المحقق السبزواري و غيره حسبما قرر مستوفي (و أمّا الثّاني) فلأنّ دعوى الفرق في المقدّمية بين عدم المانع الموجود و بين عدم المانع المعدوم مصادرة بينة و مع ذلك يرد عليه أنّ منشأ المقدّمية إن كان إمكان وجود المانع فهذا موجود في الضدّ المعدوم أيضا و إن كان هو فعلية الوجود فلا بدّ من التفصيل في الرفع أيضا بين ما كان مقتضى الضدّ المعدوم موجودا و بين ما كان معدوما بالتزام التوقف و المقدّمية في الأوّل دون الثاني لأنّ صرف الوجود من دون الاتصاف بفعليّة المانعية غير مجد و فعلية المانعية إنما تتحقق عند وجود مقتضى الضدّ الآخر لا مطلقا فرفع الضدّ بناء على اعتبار فعلية المانعية في مقدّمية عدم الضدّ قد يكون موقوفا عليه و قد لا يكون و هذا التفصيل بعينه جار في دفع الضدّ أيضا فليس هذا تفصيلا بين الدفع و الرفع بل بين وجود مقتضى أحد الضدّين و عدمه بالتوقف على ترك الضدّ الآخر في الأول دون الثاني و أنت خبير بأنّ الأمر إذا آل إلى ذلك تعيّن القول بعدم كون ترك الضدّ مقدّمة مطلقا أمّا في صورة عدم وجود المقتضى فبحكم الفرض حيث اعتبر فعلية المانعيّة في كون عدم المانع مقدّمة و أمّا في صورة وجود المقتضى فإنّه هو الفرض الّذي قال بامتناعه و ليس هنا فرض ثالث تظهر فائدة القول بالمقدّمية في ذلك كما يظهر بالتأمّل هذا مضافا إلى ما يرد عليه من لزوم اجتماع الضدين فإنّ وجود أحد الضدّين يكشف عن وجود مؤثره و مقتضيه و اتصاف الضدّ الآخر بالمانعية لا يكون إلا بعد وجود مقتضيه أيضا فيلزم اجتماع مقتضى الضدّين و هو محال لأن المقتضيين أيضا ضدّان كما يقولون و أيضا يلزم الترجيح بلا مرجح بناء على افتقار بقاء الحادث إلى التأثير في كلّ آن و هو واضح ثمّ لا يخفى بعد اللّتيا و الّتي أنّ هذا التفصيل في مسألة الضدّ الّتي كلام القوم فيها غير نافع و لا ضار لأنّها انعقدت للبحث عن حال الأضداد المعدومة الراجعة إلى الأفعال الاختيارية و أن ترك ضدّ المأمور به هل يجب مقدّمة حتى يحرم فعله أم لا و أمّا مثل السّواد و البياض من الأضداد القارة الخارجية فلا يتعلّق بتركها غرض أصولي (و الحاصل) أنّه إذا أمر الشارع بإزالة النّجاسة عن المسجد مثلا فهل يجب مقدّمة ترك الصّلاة أم لا و المشهور بين العلماء على ما قيل هو الوجوب لكونه مقدّمة و مذهب السّبزواري (رحمه الله) عدم الوجوب لمنع كونه مقدّمة وفاقا لجمع من المحققين و بناء على على التفصيل المذكور لا يجب ترك الصّلاة لكونه دفعا لا رفعا فهذا المحقق وقع فيما مرّ و التزم بمقالة الخصم من حيث لا يشعر هذا ما اقتضاه الحال في المقام الأول من المقال و منه يظهر الكلام في المقام الثاني الّذي هو كون الفعل مقدّمة للترك فالدّليل الدليل و الرّد الردّ فلا حاجة إلى بيان حجج سائر الأقوال في هذه المقدّمة و أجوبتها غير أن ما ذهب إليه الحاجبيان من القول بالتوقف في الجانبين ممّا لا ينبغي صدوره عن عاقل فكيف عن عالم لاستلزامه الدّور البين و هما أجل من الغفلة عن ذلك و لم أجد من تعرض لرفع هذا الاستحباب مع وضوحه و بلوغه إلى مراتب العجب و الغرابة و الّذي يخالجني أن يقال إنّ الدور إنّما يلزم على القول بالتوقف في الجانبين في مورد واحد فلو اختلف المورد لم يلزم دور و هو أن يكون توقف الفعل على الترك في صورة و توقف الترك على الفعل في أخرى و الأمر كذلك في هذا القول المعزى إليهما لأنّهما قالا في مسألة الضدّ بأنّ الترك مقدّمة للفعل و قالا أيضا في شبهة الكعبي بأن الفعل مقدّمة للترك و المقامان متفاوتان لأن
الواجب في المقام الأول هو الفعل و في المقام الثاني هو الترك فلعلّه في المقام الأول يقولان بمقالة المشهور من كون الترك مقدّمة دون الفعل و في المقام الثاني بمقالة الكعبي من كون الفعل مقدّمة للترك لكونه مانعا دون الترك لكونه مقارنا و بهذا يرتفع العجاب عمّن زعم أنّه من أولي الألباب و إن كان فاسدا بالبرهان المتقدّم الفاصل للخطاب و اللّه الهادي إلى طريق الصّواب و عمّن زعم عكس القول المشهور و هو القول بأنّ الفعل مقدّمة للترك لكونه مانعا دون الترك لكونه مقارنا كما نسب إلى الكعبي فإنّ الفرق بالإثبات في الإثبات و النفي في النفي لا يتم إلاّ بذلك و أمّا بما استدلّ به بعض المحققين لهذا القول تارة بأن الترك لا ينفك عن الفعل فيكون موقوفا عليه و أخرى بأنّ الفعل مانع و المانع مقدّمة فهو مع ما في الأوّل منهما من المصادرة لأن مجرّد عدم الانفكاك أعم من المقدّمية إنما ينهض دليلا على الجزء الثبوتي من المدّعى و هو كون الفعل مقدّمة للترك لا على الجزء السّلبي أيضا أعني