بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٠ - بديعة الكلام في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي
إلى المادة و الهيئة كما هو رأي بعض نظرا إلى انتفاء التقديم و التأخير كالرّجل في مثل قوله أراك تقدّم رجلا و تؤخر أخرى للمتردّد في أمر و ثانيهما كون المفردات مستعملة في معانيها الحقيقية و اختصاص التجوز بالمركب كما عليه التفتازاني و المحقّق الشريف و على القولين فالمركبات مستعملة في المعنيين إمّا الحقيقي و المجازي كما على الثاني أو المجازيين كما على الأوّل (قلت) و لعلّ ما ذكره أولى بالتعجّب و أحق بالانتساب إلى الغفلة (أمّا أولا) فلما عرفت في البحث عن أقسام المجاز من أنّ المجاز في المركّب على القول بمغايرة وضعه لوضع المفردات كما هو الحق عندنا على ما تقدّم ليس مجازا لغويّا و الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لغة بل مجازا عقليا راجعا إلى التصرّف في الأمر العقلي الّذي لا ينافي كونه حقيقة لغوية فإطلاق المجاز عليه نظير إطلاقه على الزيادة و النقصان يراد به مجرّد كون الشيء على غير وضعه الّذي ينبغي أن يكون عليه و من البيّن أنّ المتنازع فيه ما كان من قبيل استعمال اللّفظ في الموضوع له و غيره فلا مساس لمثل أنبت الرّبيع البقل بالمقام (و أمّا ثانيا) فلأنّ الهيئة على القول بوضعها و المادّة يجريان مجرى اللفظين المنفصلين نظير الهيئة و المادّة في المشتقات و لا أظنّ أحدا من المانعين في المسألة يمنع عن التجوّز في هيئة المشتق مع بقاء المادّة على حقيقتها أو بالعكس كيف و لو كان ذلك استعمالا للفظ في المعنى الحقيقي و المجازي لكان كلّ مشتق أو مركب من قبيل استعمال اللّفظ في المعنيين الحقيقيّين و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بأنّ المشتقّات موضوعة بوضع واحد كما هو خيرته (قدّس سرّه) على ما سبق أو القول بمغايرة أوضاع الهيئات لأوضاع الموادّ و تعدّدهما كما هو الحقّ الّذي استدللنا عليه بوجوه واضحة و اللّه الهادي (و ثالثها) التضمين المتعارف الشّائع في لسان العرب و هو إشراب كلمة معنى أخرى كما في قوله تعالى وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ و ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ و لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ و لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ حيث أشرب الأكل معنى الضمّ و الكفران معنى الحرمان و العزم معنى النية و السّماع معنى الإصغاء و العلم معنى التميز و الإبلاء معنى الامتناع و بقي تتمة الكلام على المعنى المشرب إذ الظّاهر أنّه ليس من باب المجاز البحت بل من باب استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له و غيره (و توضيح) هذا المعنى هو أن الوجوه بل الأقوال في التضمين ثلاثة و إن كان المحكي عن ابن جنّي انحصارها في الاثنين (أحدها) أنّه من باب التأويل و إرجاع كلمة إلى أخرى كتأويل أحسن في قوله أحسن بي إلى عطف و هذا هو المجاز ليس إلاّ و (ثانيها) أنّه من باب التقدير و الإضمار و كتقدير نادما حالا بعد يقلب في قوله تعالى يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ أي يقلب كفّيه نادما و على هذا يرجع ما ذكره التفتازاني في محكي حاشية الكشّاف (رحمه الله) صرّح ابن جنّي فيما حكي عنه بأن مذاهب الناس في التضمين دائرة بين هذين (و ثالثها) ما حققه المحقق الشريف في محكي تعليقاته على الكشاف و ارتضاه بعض السّادة من المحققين قال الأظهر أن يقال إنّ اللّفظ مستعمل في معناه الأصلي فيكون هو المقصود أصالة لكن قصد بتبعيّته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللّفظ أو يقدّر له لفظ آخر فلا يكون من باب الكناية و لا من باب الإضمار بل من باب الحقيقة الّتي قصد بمعناها الحقيقي معنى آخر يناسبه (قلت) أمّا عدم كونه كناية فواضح إذ الكناية كلام سبق لأجل إفادة غير الموضوع له أصالة سواء قصد معها إفادة الموضوع له أيضا أم لا و المعنى المشرب و هو المضمن بالفتح غير مقصود بالتضمين إلاّ على وجه التبعية فافهم و أمّا عدم كونه من باب الإضمار فهو أيضا ظاهر من أجل ما عرفت من تعلّق القصد بإفادة المعنى المشرب تبعا إذ المقدر فيما يتوقف صحّة الكلام فيه على التّقدير مقصود أيضا بالأصالة كما لا يخفى و إنّما الإشكال في عدم كونه من باب الاستعمال المتنازع فيه و لم يتعرّض له المحقق الشريف في كلامه نعم صرّح ذلك المحقق بذلك و أنّه مراد المحقق الشريف و يرد عليه أنّه لا فرق في محلّ الكلام بين كون المعنيين مقصودين بالأصالة أو كان أحدهما مقصودا كذلك و الآخر مقصودا بالتّبع لعموم الأقوال و الأدلّة ضرورة أن التبعيّة و الأصالة أمران راجعان إلى الأغراض الدّاعية إلى إيجاد الكلام فلا
ربط لهما بالمراد من الكلمة المستعملة و لا ينافي كون التابع متعلّقا للنفي و الإثبات الّذي هو محلّ النزاع على ما بنينا عليه وفاقا للأكثر فإشراب التقليب معنى الندامة مثلا و إرادتهما من لفظ واحد بقرينة موجودة في الكلام استعمال للّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي إلاّ أن يقال إنّ المقصود بالتبعية كون المعنى المجازي ملحوظا في المعنى المستعمل فيه قيدا لا جزءا فيخرج عن الاستعمال المتنازع فيه لأنّ القيد و المقيد ليس كلّ واحد موردا للنّفي و الإثبات بل النّسبة الموجودة في الكلام قائمة بالمقيد على وجه يكون التقييد داخلا و القيد خارجا و الّذي يفصح عن ذلك اشتراط كون المعنى المجازي في موارد التضمين وجها من وجوه المعنى الحقيقي و حالا من أحواله مثل الندامة بالنسبة إلى التقليب إذ التقليب قد يكون بعنوان النّدامة و قد يكون بعنوان آخر و كذا أكل أموال الأيتام قد يكون في الخارج منضمّا إلى أكل أموال الآكلين و قد لا يكون و هكذا إلى آخر الأمثلة و لذا لا يصحّ تضمين أحد المتباينين في الآخر فصار الحاصل أنّ التضمين هو إطلاق الكلي و إرادة الخصوصية بقرينة و هي الجارّة الموجودة في الكلام و نحوها (و من الواضح) خروج استعمال الكلّي في الفرد على هذا النهج عمّا نحن فيه حتى لو التزمنا بأنّ الخصوصيّة في موارد التضمين أريدت من اللّفظ و لذا صحّ تعليق الجارّ به إذ المقصود إخراج التضمين عن باب استعمال