بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢ - الكلام في بيان المراد بالفرعية
غير صحيح و الثاني لفظا كما لا يخفى على من لاحظ كلامه فإنّه صريح في أنّ تعلّق العقائد بالعمل تعلّق مع الواسطة و من الواضح أنه على تقدير تعميم العمل ليس الأمر كذلك لأنّ تعلّقها بالأعمال القلبيّة تعلّق قريب بلا واسطة كتعلّق التصديق بوجوب الصّلاة و كان السّلطان حاول بذكر القيد الأخير التّعريض على من أهمله أو كشف عن مراده من التعلّق و حينئذ فلا بدّ من التأمّل في أنّ المراد بعدم الواسطة ما ذا و كذا المراد من التعلّق حتّى يعلم كيفية تعلّق العقائد بكيفيّة الأعمال الظّاهرية و صرّح بعض الأجلّة بأنّ المراد بالتعلّق تعلّق المحمولات بالموضوعات و لم يبيّن المراد من عدم الواسطة إلاّ أنّه ذكر في تضاعيف ما أورده على هذا التفسير ما يظهر منه أنّ المراد بالتعلّق بلا واسطة هو العروض الذّاتي المقابل للعرض القريب العارض بواسطة و هو الظّاهر المتبادر منه و يشكل ذلك بأنّ العقائد غير عارضة للأفعال الظّاهرية عروض المحمولات للموضوعات مطلقا لا مع الواسطة و لا بدونها مع أنّ صريح كلام السّلطان أنّها متعلّقة بها مع الواسطة بقرينة إخراجها بقيد بلا واسطة و الحاصل أنّ العمل في كلام السّلطان لا بدّ أن يحمل على العمل الظّاهري و إلاّ لم يصحّ إخراجها بالقيد الأخير و حينئذ فإنّ جعل المراد بالتعلّق بلا واسطة تعلّق المحمول بالموضوع لذاته استغنى عن ذلك القيد لأنّ العقائد لا تعلّق لها بالأفعال الظّاهرية هذا التعلّق أصلا مع أنّ صريح كلامه الاحتياج إلى القيد المزبور و أنه لولاه لدخلت العقائد و الّذي يساعده النّظر الصّحيح جعل التعلّق في كلامه مجرّد الارتباط و العلقة الّتي يمكن تصورها بين الضّدّين فضلا عن المتماثلين و جعل عدم الواسطة عبارة عن قرب ذلك الارتباط و تأكده كارتباط المعلول الأوّل بالعلّة مثلا و المضاف بالمضاف إليه إذ نحوهما و كونه مع الواسطة عبارة عن بعده كارتباط آخر المعلومات بالعلّة الأولى مثلا كما يشعر به ذيل كلامه حيث عدل في التّعبير عن تعلّق العقائد بكونه تعلّقا مع الواسطة إلى التعلّق البعيد و بذلك يتم ما رامه من إدخال العقائد أولا ثم الإخراج لأنّ الاعتقادات الأصولية متعلّقة بفروع الأحكام جدّا لأنها أصولها و هي فروعها و العلاقة بين الأصل و الفرع لا تكاد تخفي فإن شئت جعلت تلك العلاقة و علاقة السّببيّة لتوقف التّصديق بالفروع على العقائد الدّينية لكن ليس تعلّقها بها كتعلّق التّصديق بفروع الأحكام فإنّه آكد و أقرب من تلك العلاقة السّببيّة كما لا يخفى فكلّ من الإدخال و الإخراج حينئذ في محلّه من غير ركاكة غير أنّ التعبير عن قرب العلاقة و بعدها بالواسطة و عدمها لا يخلو عن اعوجاج في الكلام إذا تحقق ما هو الميسور في فهم تعريف السّلطان فاعلم أنه أورد على طرده بدخول جملة من المسائل الأصولية كصحّة عمل المجتهد برأيه و وجوب رجوع المقلّد إلى المجتهد و وجوب التّأسي و وجوب تسليم العقائد الدّينية لعدم كفاية مجرّد الإذعان في الإسلام و مسألة أصل البراءة و أصل الإباحة لأنّها أحكام أصولية مع تعلّقها بالعمل بلا واسطة (أقول) الظّاهر عدم ورود شيء من هذه على التعريف لأنّ هذه المسائل الظاهر أنّها من الفروع إلاّ وجوب تسليم العقائد فلا بأس بتناوله لها بل يجب و قد عرفت أنّ وجوب تسليم العقائد أعني الانقياد و الالتزام الزائدين من مجرّد الإذعان قد خرج بالقيد الأخير نعم على تقدير كون التّأسي وجوبه من حيث كون فعل المعصوم دليلا عقليا على الحكم الشّرعي بملاحظة العصمة لا من حيث كونه موضوعا كما هو الظاهر من التهذيب و غيره فهو من مسائل الأصول لكن وجوب العمل به حينئذ عقلي لا شرعي فيخرج بقيد الشرعية فافهم بل تأمّل و على عكسه بخروج الأحكام الوضعية كلاّ و الأحكام المتعلّقة بمثل الحسد و البخل و نحوهما من الأفعال القلبيّة و فيه أنّ خروج الأحكام الوضعية على ما هو التحقيق من عدم كونها أحكاما شرعيّة غير قادح مضافا إلى منع خروجها للفرق الواضح بين تعلّقها بكيفية العمل و تعلّق العقائد فإنّ للأول تعلّقا قريبا بالمعنى الّذي ذكرنا و للثّاني تعلّقا بعيدا بالنّسبة إليه فافهم و أمّا تحريم الحسد و البخل إن سلم مع عدم دليل عليه و إن دلّ على بعد الحسود و البخيل عن رحمة اللّه كولد الزنا و ناقص الخلقة فمرجعه إلى تحريم ما يقتضيانه من الأفعال الظّاهرية كالغيبة مثلا فإنّ الحسود يغتاب لا محالة أو يقتضيهما كبعض الأفعال المذكورة في علم الأخلاق أو يرفعهما كبعض المعالجات الّتي ذكرها علماء الأخلاق بشهادة العقل المستقلّ على استحالة تعلّق التّكليف بالصّفات و الحاصل أنّ الملكات الرّديّة إنّما يتعلّق التّكليف بها باعتبار الجري على مقتضياتها من القبائح كالغيبة و المشي في سعاية المؤمن
أو باعتبار إمكان إزالتها و معالجتها بالأفعال الحسنة أو باعتبار الأفعال الاختيارية الّتي تولدها كما ذكروها في علم الأخلاق لا من حيث أنفسها فلا يرد بها نقض على عكس التعريف جدا نعم يرد على عكسه مثل حرمة عزم المعصية أو كراهته و وجوب قصد القربة فيما يعتبر فيها كما يرد على طرده دخول المسائل التوقيفية الأصولية كحجية الظّنون الخاصّة على القول بها و وجوب الأخذ بالأرجح من الخبرين المتعارضين أو التخيير بينهما فالصواب تعريف الفرعية بالحكم الشّرعي الّذي لم يقصد منه الاعتقاد لا معرفة حكم شرعي آخر فيخرج بالأول أصول العقائد و بالثاني التّعبّديات من مسائل الأصول و أمّا غير التّعبّدية كأكثر مسائلها مثل حجّية العقل و الفعل و التقرير و العام المخصّص و نحوها فهي خارجة بالجنس أعني الحكم الشّرعي و يدخل فيه الأحكام الظاهرية الثابتة في مؤدى طريق الموضوعات كالبيّنة و اليد و الاستصحاب و نحوها و كذا يدخل فيه الأحكام الوضعية على القول بجعلها كما لا يخفى فغير الفرعي ما كان المقصود منه الاعتقاد أو كان مقدمة لاستنباط الحكم