بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٣ - و منها صحّة النّفي و عدمها
قطع النّظر عن ظرف الذّهن أو الخارج لأنّ موضوع القضيّة في قولنا الإنسان حيوان ناطق هو مفهوم المسمّى أو مفهوم الموضوع له أو نحوهما من المفاهيم العارضة للماهيّات بعد عروض الوضع ضرورة عدم قابليّة لفظ الإنسان لأن يحكم عليه بحيوان ناطق و كذلك المراد بالمحمول أيضا هو المفهوم و من الواضح أن اتحاد مفهوم الموضوع له مع مفهوم الحيوان النّاطق ليس على الوجه المستحيل و لا على الوجه المتعارف الشائع في القضايا المتعارفة مثل زيد إنسان و الإنسان ناطق و نحوهما ممّا يرجع الاتحاد المستفاد من الحمل فيه إلى الاتحاد في الوجود الخارجي بل على نحو آخر من الاتحاد و عدم المغايرة و هو كون أحد المفهومين بنفسه و هو المحمول في قولنا الإنسان حيوان ناطق و الموضوع في قولنا لا يجوز أن يقال الحيوان النّاطق ليس بإنسان مصداقا لمفهوم آخر (و من هنا) انقدح أنّ الحصر المشتمل عليه كلام المستشكل ليس بحاضر لثبوت الواسطة بين اتحاد المفهومين بنفسهما أو بحسب الوجود الخارجي و هي اتحاد المفهومين بأن يكون أحدهما مصداقا للآخر في نفس الأمر فليس إذا امتنع اتحاد المفهومين يرجع الحمل إلى تصادقهما في المصداق الخارجي لإمكان رجوعه إلى نحو آخر من الاتّحاد و ضرب من المغايرة و هو أن يكون مفاد الحمل كون أحد المفهومين بنفسه مصداقا للآخر (و توضيح المقال) أنّ صريح العقل قاض بأن الحمل يستدعي تغاير الموضوع و المحمول بوجه و اتحادهما بوجه آخر إذ لو كانا متحدين مطلقا لزم حمل الشيء على نفسه و لو كانا متغايرين من جميع الوجوه كانا متباينين و الاتحاد المصحّح للحمل قد يكون في ظرف الخارج كما في القضايا الخارجيّة مثل زيد إنسان و النّار حارّة و ما أشبههما و قد يكون في ظرف الذّهن كما في قولنا الإنسان نوع و الحيوان جنس و قد يكون في نفس الأمر فيعمّ الظّرفين كقولنا الأربعة زوج و يعبّر عن الأول بالقضايا الخارجيّة و عن الثّاني بالذهنية و عن الثالث بالنّفس الآمرية (ثمّ) إنّ مفاد الاتحاد في كلّ من الثلاثة قد يرجع إلى تصادق الموضوع و المحمول في شيء واحد و ذلك بأن يكون النّسبة بين الموضوع و المحمول تساويا مطلقا مثل قولنا الإنسان ناطق أو قولنا الناطق ضاحك و قد يرجع إلى كون الموضوع مصداقا للمحمول كما إذا كان الموضوع أخصّ من المحمول فهذه ستة أقسام و مرجع القضايا المستعملة في الحدود اللّفظية نفيا و إثباتا إلى اتحاد الموضوع و المحمول المتغايرين بحسب المفهوم في نفس الأمر على وجه يفيد كون الموضوع مصداقا لنفس المحمول في نفس الأمر و ذلك لما هو الحق المحقق من أن الألفاظ إنّما وضعت لمعاني النفس الآمريّة المعرّاة من جميع الاعتبارات لا المعاني الذّهنية و لا المعاني الخارجية و إن كان كلّ منهما عين الموضوع له لعدم المنافاة بين الماهيّة لا بشرط و بينها مع شرط أي مع وجوده لا مع اعتباره فحينئذ (نقول) إذا قلت الإنسان الحيوان الناطق أو لا يصحّ القول بأنّه ليس بإنسان أردت من لفظ الإنسان مدلوله أو مسمّاه أو ما وضع له لغة أي هذه المفاهيم فلا بدّ أن يدلّ على اتحاد الحيوان النّاطق مع مسمّى الإنسان أو ما وضع له لفظ الإنسان في نفس الأمر و حيث أنّ مفهوم المسمّى أو الموضوع له أعمّ مطلقا من الحيوان الناطق فلا جرم يرجع الحمل فيه إلى حمل العام على الخاص و هو المسمّى بالحمل المتعارفي إذا كانت القضية خارجية و كذا لو كان المراد بالإنسان المفهوم المنساق المتبادر و يكون مفاد الحمل أنّ الحيوان النّاطق هو المنساق المتبادر من لفظ الإنسان فإنّه أيضا يرجع إلى الحمل المتعارفي أي حمل العام على الخاصّ و من المحققين من زعم أنّ الحمل فيه حمل ذاتي و لا يرجع إلى الحمل المتعارفي المشار إليه و وجهه غير واضح لأنّ المنساق من الإنسان مفهوم أعمّ من الحيوان النّاطق فيكون حمله عليه حمل العام على الخاصّ و لعلّه نظر إلى أنّ المفهوم المنساق أمر غير قابل للتكثر و لذلك لا يتبادر شيء من معاني اللّفظ إذا كان مشتركا (و فيه) أنّ المناط في الحمل المتعارف في أن يكون المحمول من حيث المفهوم أعمّ من الموضوع و إن استحال صدقه على غيره بالعرض اللّهم إلاّ أن يكون غرضه من المفهوم المنساق الإشارة إلى ذات المعنى الذي يتبادر من اللّفظ لا أخذه عنوانا في ظرف المحمول فحينئذ يتجه كون الحمل حينئذ ذاتيا أي حملا للشّيء على نفسه لأنّ ذات المعنى المنساق المتبادر من لفظ الإنسان هو عين الحيوان النّاطق لكن الحمل حينئذ يرجع على الوجه المستحيل المشار إليه أعني حمل الشيء على نفسه و لعلّه تفطّن لذلك و تفصّى بأن
العلامة هي عدم صحّة السّلب لا الحمل و الأوّل متصوّر في الحمل الذّاتي أيضا لأنّ الشّيء لا يسلب عن نفسه و إن كان الثّاني مستحيلا و (فيه أوّلا) أنّ المراد بما أضيف إليه لفظ العدم أعني السّلب عدم الملكة أي السّلب في ما من شأنه الإيجاب لا مطلقا (و ثانيا) أنّ عدم صحّة السّلب لا يتصور أيضا بين الشيء و نفسه ضرورة لزوم مغايرة المسلوب و المسلوب عنه في الجملة كالمثبت و المثبت له فتدبّر جيّدا (الثّالث) أنّ الشّيء لا يصلح يصحّ سلبه عن أجزائه الذّهنيّة فلا يقال للنّاطق أنّه ليس بإنسان مع أنّه ليس بحقيقة فيه كذا أورد التفتازاني على علامة الحقيقة و تبعه بعض من تأخر عنه و فيه أنّ المراد عدم صحّة السّلب من مورد الاستعمال فإنّه علامة لكون اللّفظ حقيقة في المورد لا أنّ مطلق عدم سلب شيء عن شيء دليل على كونه حقيقة فيه فإن استعمل الإنسان في النّاطق فإن أريد به مفهوم الناطق فصحّة السّلب واضحة و إن أريد به مصداقه من حيث كونه ناطقا أي الذّات مع انضمام النّطق فكذلك لأنّ اعتبار هذه الحيثيّة يوجب إلقاء الجهات الأخر الّتي ترجع إلى غير حيثية النّطق كالجسميّة و نحوها من المفاهيم المتصادقة مع مفهوم النّاطق في الخارج و إن أريد به الذّات المتّصفة بالنّطق بدون شرط الاتصاف فعدم كونه حقيقة فيه ممنوعة لأنّ مصداق النّاطق مصداق للإنسان و فرد منه و إطلاق الكلّي على الفرد حقيقة إذا لم يرد