بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٥٨ - المقام الرّابع في ترتيب المرجحات
استقلال العقل بذلك بعد احتمال وجود المصلحة في تصديق الأعدل عند المعارضة (قلت) هذا الاحتمال مبني على احتمال الموضوعية و التصويب في حجّية الخبر الصّادر من العادل أو الأعدل مثلا و بناؤه (رحمه الله) على الطريقية دون الموضوعية و لو سلم مماشاة في تحقيق المرام فغير مقيد أيضا لأن مقتضاه الاقتصار في هذا المرجح على مورده الّذي هو القطعي و عدم ثبوته في الظني مطلقا كما عرفت فأين ترجيح الصّفات على ترجيح الجهة ثم لا تغفل عمّا ذكرنا أولا من النقض بالمتكافئين فإنّه ناهض بالمدعى بوجه أخصر و أقصر لأنّ تصديق الخبر لأجل الحمل على التقية إمّا شيء معقول أو لا فإن كان له معنى صحيح فلم لا تصدق خبر الأعدل مثلا حتى تحمله على التقية فإن اعتذرت أنّ دليل الحمل على التقية معارض بدليل ترجيح الأعدل فالجواب أولا أنّه لا تنافي بينهما لأنّ المراد به ترجيح الأعدل هو التعبّد بصدوره فإذا فرضنا أنّ التعبّد بالصّدور لا ينافي الحمل على التقية جمعا بينهما و ثانيا بعد المساعدة على كون المراد بترجيح الأعدل هو الترجيح في مقام العمل و طرح الخبر العادل المعارض نقول إن دليل الحمل على التقية يخصّصه و يجعل مورده غير ما يحتمل فيه التقية للملازمة بين القطعي و الظنّي في الحمل عليها عقلا و إن لم يكن معقولا فكيف يصار إليه مع تكافؤ المتعارضين فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق في حمل موافق العامة على التقية عند التعارض بين القطعيين و الظنيين و المختلفين فلو كان أحد المتعارضين قطعيّا موافقا لهم و الآخر ظنيا مخالفا لهم وجب المصير إلى الظّني و حمل القطعي على التقية لقوله (عليه السلام) ما سمعت منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية بل و مقتضى عمومه وجوب الحمل عليها و لو لم يكن له معارض لكنّه غير معهود من العلماء فيقتصر على القدر المتيقن و هو صورة المعارضة بأقسامها الثلاثة بقي الكلام في تعارض مرجح الجهة مع مرجح الدلالة و المرجح الخارجي و تعارض مرجحات الجهة بعضها مع بعض فنقول أمّا الأوّل فقد تكلّمنا فيه عند بيان قاعدة الجمع و ذكرنا أن ترجيح الدلالة مقدّم على الترجيح بالجهة و نقلنا خلاف من خالف فراجع لكن في النفس الآن منه شيء و التحقيق هو أنّهما إمّا قطعيّان أو ظنيان أو مختلفان فإن كانا قطعيين قدم ترجيح الدّلالة فلو تعارض العام و الخاص و كان الثاني موافقا للعامة عمل بالخاص كأخبار بطلان الصّلاة بزيادة الركعة و أخبار صحّتها إذا جلس بعد الرابعة فإنّها موافقة لمذهب العامة لأنّ المدار في الترجيح على الظن و لا شكّ أنّ التخصيص أغلب و أظهر من التقية في الأخبار هذا إذا قطعنا النظر عن النصّ و مشينا على موجب القاعدة و أمّا بعد ملاحظة كون موافقة العامة أمارة تعبّدية على التقية أو جاريا مجرى القرينة العامّة حسبما شرحنا مفصّلا فيما سبق فمقتضى القاعدة أن يكون الأمر بالعكس فيجب حمل الخاصّ على التقية و لو كان قطعي السّند و الدلالة لأنّ الشك في التخصص بعد قطعية الخاصّ مسبّب عن الشك في صدوره تقية و بعد قيام الدليل على صدور الخاص تقية كان حاكما على أصالة العموم و هذا التسبيب و إن كان موجودا مع قطع النظر عن الأخبار إلاّ أنّ أصالة عدم التقية لا مانع من العمل به حينئذ و لا يعارضه أصالة العموم للتّسبيب القاضي بالتقديم (و الحاصل) أنّ قضية التسبيب العمل بما يقتضيه الأصل السّببي فإن كان الأصل عدم التقية عمل بالخاصّ و إن كان هي التقية عمل بالعام ففي المثال المذكور ينبغي حمل أخبار الصّحة بعد الجلوس بعد الرابعة على التقيّة كما فعله صاحب الرّياض و هذا هو الأصحّ و عليه عمل غير واحد في الكتب الفقهية كما لا يخفى على أهل الخبرة (فإن قلت) ما ذكرت من القاعدة من تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبب لا يتم على ما أنت عليه من إنكار هذه القاعدة في بابها (قلت) بناؤنا على معارضة الأصلين دون التحكيم إنما هو في الأصول التعبّدية الشرعية و أمّا الأصول الجارية في الألفاظ فهي طرق عقلائية أمضاها الشارع و ليست عن الأصول الظاهريّة التعبّدية كأصالة الطّهارة مثلا و قد نبّهنا في محلّه على أنّه لا بدّ من إجراء قاعدة التّسبيب و العمل بالأصل الجاري في المسبّب المسمّى بالمزيل في ألسنة المقاربين لعصرنا في الأصول اللفظية و ما يجري مجراها من الأصول العقلائية المعتبرة طريقا إلى الواقع و تمام الكلام في محلّه و هذا لو تعارض الأصل اللّفظي مع الأصل المعمول في الجهة غير التقية كأصالة عدم السّهو و عدم المزاح و عدم الإكراه و عدم الكفاية و عدم التعريض و
عدم التصور [القصد] و أشباهها من الأصول الجارية في الألفاظ من غير أن ترجع إلى حقيقة أو مجاز في غير أدلّة الأحكام قدم الأصل اللّفظي فلو توقف رفع التناقض و التنافي عن كلام متكلّم على ارتكاب أحد الأمرين إمّا التخصيص أو حمل الخاص على المزاح مثلا تعيّن التخصيص لأنّه أغلب و أظهر (فإن قلت) مقتضى القاعدة التوقف و الإجمال لأن الترجيح خلاف الأصل و الأصل في الطّرق و الأصول المتعارضة التوقف دون الأخذ بالراجح و القدر الخارج منه العمل بالأقوى و الأرجح في أدلّة الأحكام دون غيرها (قلت) الظّاهر أنّه لا إشكال بل لا خلاف في أن تقديم النصّ على الظاهر أو تقديم الأظهر على الظاهر في الأصول اللفظية المتعارضة بعضها الراجعة إلى تعارض الأحوال في كلام أو في كلامين لا اختصاص له بأدلة الأحكام و الظاهر أن حكم تعارض بعض الأصول اللفظية مع الأصل في جهات الكلام حكم تعارض الأصول اللّفظية بعضها مع بعض فكما ثبت الترجيح و وجوب العمل بالأرجح هناك فكذلك هنا و أمّا الثاني و هو تعارض الأصل في الجهة أعني خصوص الحمل على التقية مع المرجح الخارجي