بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٥ - أمّا القسمة الثانية تقسيم الوضع الخاص و العام و موضوع له كذلك
السّيد المتقدم نقل الإجماع على عدم كونها مجازات و الجمع بين هذا و بين القول بأنّها أفراد للموضوع له لا نفسه لا يخلو عن غموض و خفاء و لذا صرّح المدقق الشيرواني في تعليقاته على المعالم بأنّ استعمال الحروف في المعاني الجزئية على القول بوضعها للمعنى العام مجاز و قد يجمع بينهما بأحد وجهين أحدهما ما أورده بعض المحققين و بنى عليه تزييف مقالة الشيرواني من أنّ استعمالها في الجزئيات على هذا القول من قبيل استعمال الكلّي في الفرد نعم استناد فهم الخصوصيّة إلى أمر خارج عن حاق اللّفظ و انتصر لذلك بأنّ المراد من لفظ هذا و نظائرها من المبهمات في سائر الموارد ليس إلاّ أمرا واحدا و إن انطبق ذلك على أمور مختلفة و قال في موضع آخر إنّ المفهوم من الّذي في جميع استعمالاته هو نفس شيء و إنّما الاختلاف في الخصوصيّات المأخوذة معه و ثانيهما ما ذكره السيّد المتقدم الّذي اختار هذا القول قال بعد ما أورد على نفسه بأنّه لو صح ذلك لكان استعمالها في الجزئيات مجازا و ليس كذلك إجماعا ما حاصله أنّ مراد القوم بعدم كونها مجازات عدم افتقار دلالتها عليها إلى نصب القرينة و هو كذلك لأنّ الاستعمال إذا كان عن شرط وضعيّ و عن تعيين الواضع و منعه من غيره مقرونا بما لا يفارق من الخصوصيّات اللاّزمة له جرى عليه حكم الحقيقة و ليس مرادهم بعدم كونها مجازات عدم استعمالها في غير ما وضع له كيف و هم قد صرّحوا بأنّها موضوعة للمعاني الكلية و كيف يجامع ذلك مع القول بأنّها مستعملة فيما وضع له فالجمع بين قولهم هذا و عدم كونها مجازات لا يتيسّر إلاّ بما ذكر ثمّ قال و إن أبيت عن ذلك قلنا إنّها واسطة بين الحقائق و المجازات من حيث وجود خواصّهما فيها فمن حيث عدم كون المتبادر منها سوى الجزئيات تكون كالحقائق و من حيث كونها مستعملة في غير ما وضعت له كالمجازات بل نقول إنّها حقائق أي مشتملة لملاك الحقيقة و مناطها الّذي هو الاستغناء عن القرينة في إفادة المراد و إثبات حقيقة جديدة غير مشمولة لحدّها المعروف ليس بأصعب من إثبات وضع جديد غير معروف عند أهل العربيّة انتهى كلامه رفع مقامه مع تهذيب و تحرير (أقول) أمّا التوجيه الأوّل فالقول به في جميع المبهمات مشكل لأن اسم الإشارة يدلّ بنفسها على الذات المشار إليها من غير الالتفات إلى الخصوصيات المكتنفة لأنّ الوجدان السّليم قاض بأنّ تلك الذات لا تستفاد من طريق تعدد الدّال و المدلول و كذا الضّمائر و أما الحروف فقد عرفت أن خصوصية ذكر المتعلّق ليس دخيلا في الدلالة بل في المدلول كما مرّ نعم ما ذكره يمكن إتمامه في مثل الّذي و نحوه من الموصول لكن الكلام ليس في خصوصه (فإن قلت) ليست لفظة هذا مثلا اسما ثانيا لذات زيد مثلا حتّى يكون دلالتها عليه كدلالة لفظ زيد بل دلالتها على ذات زيد عند الإشارة إليه من قبيل دلالة الكليات المستعملة في الأفراد عليها بقرينة المقام لأنّ هذا في حال الإشارة إلى ذات زيد إنّما تدلّ على ذات مقرونة بالإشارة الفعلية و خصوصيّة الزيديّة تستفاد من الحسّ و الإشارة الحسّية كما أنّ لفظ الرّجل إذا أشير إلى ذات زيد تدلّ على ماهيّة الرّجل و خصوصيّة الزيدية تستفاد من اللاّم العهدية فحال أسماء الإشارة كحال سائر الألفاظ الكلية المستعملة في الفرد مع استناد الخصوصية إلى أمر خارج عن حاق اللّفظ (قلت) الفرق بين هذا و لفظ زيد هو أنّ لفظ زيد يدل على الذّات المشخّصة ساكنا عن جميع الأمور الخارجة عن حاق الذات بخلاف هذا فإن وزانه وزان اللّقب و الكنية في الدّلالة على تلك الذات مع الدلالة على كونها محلّ الإشارة الفعليّة فإشعارهما بأمر خارج عنها من مدح أو ذمّ أو بنوة أو أبوة و ذلك لا يوجب عدم استفادة الخصوصية من حاق اللّفظ كما لا يوجب ذلك في اللقب و الكنية و منه يظهر فساد التنظير بمثل الرجل إذا أريد به زيد بطريق العهد و على هذا القياس حال الضّمائر مضافا إلى أن جعل فهم الخصوصية مستند إلى أمر خارج عن حاق الألفاظ خروج عمّا اتفق عليه الفريقان من كون المستعمل فيه خاصا لأنّ هذه الألفاظ تكون مستعملة في المعنى العام الكلّي حينئذ إلاّ أن يقال الاستعمال في الخصوصية في اصطلاح القوم ما يعمّ مثل ذلك أو يقال إن غرضهم من كون المستعمل فيه خاصا عدم استعمال هذا مثلا في مفهوم المشار إليه على وجه يتعلّق به الحكم على كلّيته و أنّها مستعملة في المفهوم المشار إليه على وجه يتعلّق به الحكم بفرده المستفاد من القرائن اللاّزمة لمجاري استعمالاته
و كلاهما كما ترى لا يلائم ظاهر كلامهم و تصريحهم بعدم استعمالها إلاّ في الجزئيات لأنّ الظّاهر منه كون المستعمل فيه هو خصوص الفرد من حيث خصوصيّته و هو المحسوس المشاهد في كثير ما جعلوه من هذا الباب (و أمّا التّوجيه الثاني) فلم نصل إلى لبّه و حقيقته سوى الاعتراف باستفادة الخصوصيّة من اللّفظ لكن بواسطة القرينة اللاّزمة الّتي اشترطها الواضع كما في سائر المجازات و أنّ الفرق بينهما لزوم القرينة و شرط الواضع في المقام دون سائر المجازات و هو موافق لما سمعت عن المدقق الشّيرواني إلاّ أن يقال إنّ غرضه إرجاع القرائن اللاّزمة إلى مقدّمات وجود المدلول لا الدّلالة نظير ما سلكناه و استظهرناه من كلام المحقق الشريف في الحروف بأن يقال إن ذكر الخصوصيات إنّما هو لأجل تحصيل حقيقة الفرد الّتي هي المستعمل فيها لا لأجل توقف الدلالة عليه كتوقف دلالة أسد على الرّجل الشجاع على ذكر يرمي و بالجملة فرق بين توقف الدّلالة على الشيء و بين توقف المدلول عليه فإنّ الدلالة مستندة إلى حاق اللّفظ في الثّاني و إن لم تحصل بدون ذكر ذلك الشيء الّذي يتوقف عليه تحقق المدلول لأنّ مثل ذلك لا يعدّ افتقارا إلى أمر خارج من اللّفظ و لذا ذكرنا وفاقا للمحققين أنّ ذكر المتعلّق في الحروف ليس ممّا يتوقف عليه الدلالة ابتداء بل بواسطة افتقار المدلول و المناط في كون الدلالة مستندة إلى أمر خارج لا إلى حاق اللّفظ هو كون المقصود في