بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٢ - أمّا القسمة الثانية تقسيم الوضع الخاص و العام و موضوع له كذلك
بملاحظة الكلّي كما يزعم هؤلاء حتّى يكون الوضع عامّا لخاصّ بمكان من البعد عن طرائق الوضع إنّما يعرف الناس في الوضع التعييني و أقصى ما علم من ذلك أنّها لا تستعمل إلاّ في الجزئيات و ذلك كما يحتمل أن يكون الوضع لها ابتداء على ما يقول هؤلاء كذلك يحتمل أن يكون للقدر المشترك بينهما و خصّ بها لداع كما يقول الباقون بل الظّاهر ذلك فإنّ المشتبه يلحق بالأعمّ الأغلب مع أنّ أئمة اللّغة و العربيّة لا يعرفون سواه و هو قولهم أنا للمتكلّم وحده و من الابتداء و لذلك لم يعدّوه في متكثر المعنى فكيف يدعى مع قيام هذا الاحتمال بل ظهوره أنّها موضوعة للجزئيات و هل هذا إلاّ ترجّم على الواضع و كيف يثبت الوضع بمجرّد الاحتمال بل ظهوره و إنّما طريقه النقل و ما يوجب العلم انتهى ما أردنا نقله من كلامه زاد اللّه في إكرامه و إنما لم نقتصر على بعضه لاشتماله على مجموع ما استدلّ به للقول الثاني و زائد مع ما به من البيانات الّتي لا يليق بأحد من أرباب هذا القول سواه و لنقدم على ذكر حجج القولين مقدّمات مشتملة على توضيح مقالة الفريقين و بعض ما يتفرع عليهما ليكون الدخول على بصيرة (الأولى) أنّ ظاهر الفريقين الاتفاق على أنّ هذه الألفاظ دائمة الاستعمال في جزئيات ذلك المعنى العام الملحوظ في حال الوضع فلا يجوز استعمالها في ذلك المعنى العام أبدا و هذا على القول الأوّل لا إشكال فيه لأنّ المعنى إذا لم يكن هو الموضوع له توقف الاستعمال فيه مجازا على الرّخصة الشّخصية و النوعيّة الّتي علم شمولها له و من هنا لم يطرد التجوز في كلّ لفظ بالنّسبة إلى كلّ معنى مجازيّ و أمّا على القول الثّاني ففيه إشكال لأنّ استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له لا يتوقف على رخصة الواضع لأنّ الواضع وظيفته إحداث العلقة الجعلية بين اللّفظ و المعنى و بعد حصول العلاقة الوضعيّة يكون اللّفظ كالعلاقة العقلية في الكشف عن المعنى قهرا و قضية ذلك جواز التعبير به عنه جدّا و قد يوجه ذلك بما ذكره المحقق المتقدّم و نسبه المحقق الشّريف إلى أرباب هذا القول من أنّ عدم الاستعمال إنما جاء من منع الواضع حين الوضع حيث اشترط في وضع الألفاظ المذكورة للمعاني المزبورة الكلية أن لا تستعمل إلا في جزئياتها و خصوصيّاتها الخارجية و مرجع ذلك إلى أن منع الواضع عن الاستعمال في نفس الموضوع له مانع لا أنّ الرخصة شرط حتى يرد ما تقدّم من أن الاستعمال في المعنى الموضوع له ليس بأمر توقيفي مراعى برخصة الواضع في الاستعمال و إلاّ انسد باب التكلّم بالألفاظ الموضوعة خصوصا الألفاظ العربيّة الّتي لم يتعارف استعمالها في العرف لعدم العلم برخصة الواضع في الاستعمال في شيء منها و إنّما المعلوم أو المظنون نفس الوضع فإن قلت إذا كان منع الواضع مانعا كان الرّخصة شرطا لأنّ المراد بالمنع ليس هو المنع الصّوري بل عدم الرّضا الواقعي فإذا كان عدم الرّضا مؤثرا في منع الاستعمال كان نقيضه و هو الرضا و الإذن شرطا فيعود المحذور قلت نعم لكن إذا لم يمنع الواضع فالإذن النوعي معلوم من شاهد حال الوضاع فيستكشف الشّرط و هو الرّخصة حينئذ من شاهد الحال نوعا و هذا مثل عدم توقف التصرف فيما يكون هناك شاهد حال على الإذن مع عدم الجواز في صورة النّهي فتأمّل فإن العلم بالرخصة و الوضع معا يحصلان من تحاور أهل اللّسان لا يقال إذا كان منع الواضع مؤثرا في الاستعمال فلا بدّ من إحراز عدم المنع في جواز الاستعمال و لو بالأصل مع أنّ العلم بالوضع كاف في العرف في جوازه من غير الالتفات إلى منع الواضع فضلا عن إحراز عدمه لأنا نقول يكفي في إحراز عدمه عدم العلم به أو الأصل المركوز في أذهان العقلاء العمل به من حيث لا يشعر و الحاصل أن ما التزم به الفريقان من دوام استعمالها في الجزئيات و عدم استعمالها في المعاني الكلية لا ينافي القول بوضعها لنفس تلك المعاني الكلية لأنّ الوضع شيء و الاستعمال شيء آخر و لا ملازمة بين موردهما في فعل الواضع و جعله فكما أنّ ترخيص الواضع استعمال اللّفظ في المعنى المجازي مشروط عند الواضع بنصب القرينة لئلا يلزم فوت غرض التّرخيص و استعمال الألفاظ اللاّزمة الإضافة في معانيها الحقيقية بذكر متعلّقاتها محافظة لخروج الكلام عن حدّ الإفادة الّتي هو الغرض من وضعها كذلك وضع هذه الألفاظ لمعانيها الكلية مقرون بشرط عدم استعمالها إلاّ في جزئياتها إذ لا فرق بين تعيين اللّفظ للاستعمال و بين تعيينه للمعنى فإذا جاز الاشتراط في الأوّل جاز في الثاني هذه غاية ما يحسن في
توجيه الاشتراط المزبور على القول بوضعها للمعنى العام و هو بعد كلام خال عن التحصيل أما أولا فلأنّ هذا الاشتراط لا يتصوّر له فائدة بخلاف اشتراط القرينة في الدّلالة على المعنى المجازي لتوقف الدلالة عليها و كذا اشتراط ذكر المضاف إليه في الأسماء اللاّزمة للإضافة فإنّه ممّا يتوقف عليه كون الكلام مفيدا مع أن ادّعاء اشتراط الواضع نصب القرينة في المجاز و ذكر المتعلّق و المضاف إليه في الأسماء اللاّزمة الإضافة مجازفة إذ الظاهر أنّهما ثبتا من مساس حاجة المتجوّز و المتكلّم بتلك الأسماء إليها ضرورة أنّ الإخلال بها نقض لغرض المتكلّم لا لغرض الوضع فإن قلت فائدته اختيار أخصر الطّريقين في جعل الكاشف و المعبّر عن المعاني الجزئية إذ لولاه لوقع في طريق آخر أطول و هو تعدّد الوضع قلنا أوّلا إن انفتاح باب المجاز في الألفاظ يوجب انسداد بابهما في ترخيص الواضع في أصل المجاز غنى و كفاية عن اختيار أحد الطّريقين و ثانيا أن تعدّد الوضع على نحو الإجمال ليس بأطول من الاشتراط المزبور فاشتراط الاستعمال في الجزئيات بمنزلة الوضع لها و كلّ منهما قائم بغرض الواضع أعني جعل الكاشف من غير تفاوت في الاختصار و الإطالة و ثالثا أنّ الكلام في إبداء الفائدة لهذا الاشتراط من حيث تضمّنه لمنع الاستعمال في المعنى الموضوع له العام لا من حيث اشتماله على جعل الكاشف للجزئيات و ما ذكر لو تمّ فإنما يصلح فائدة له من الحيثية الأخيرة دون الأولى