بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤١٨ - الكلام في حكم المتعادلين بحسب مقتضى الأصل
الحجّية قاصر لشمول المتعارضين لاستحالة الجمع بين المتناقضين و قد يقال إن مقتضى إطلاق دليل الحجّية وجوب العمل بهما معا و حيث تعذّر ذلك تعين العمل بأحدهما مخيّرا كما في تزاحم الواجبات و فيه أنّ مع تعذّر العمل بهما معا كيف يشملهما إطلاق الدّليل القاضي بوجوب التعيين و صرفه إلى الوجوب التخييري ممتنع أيضا بعد فرض كون المراد به الوجوب التعييني في صورة عدم المعارضة لأنّه مثل استعمال اللّفظ في المعنيين بل أقبح كما هو واضح للبصير و قد يقال إنّ هذا مبني على تعلّق التكاليف بالأفراد فلو قلنا إن متعلّقها الطّبائع اتجه التخيير العقلي لأنّ مدلول دليل الحجية على هذا القول إنّما هو الوجوب التعييني المتعلّق بطبيعة خبر العدل و تعلّقه بالفرد تعلّق مقدّمي لا يتعلّق إلاّ بالمقدور فالاختلاف في التخيير و التعيين إنّما هو جاء هو من اختلاف الأفراد في قابلية الاتّصاف بالوجوب التعييني و التخييري ففي صورة عدم المعارض يتصف بالوجوب التعييني من باب المقدّمة و في صورة المعارضة يتصف بالوجوب التخييري و فيه أنّه غلط واضح و خلط لائح بين العموم البدلي و العموم الاستغراقي في مسألة متعلّق التكاليف فإنّ النزاع المعروف من أنّها يتعلّق بالمهية أو بالفرد إنّما هو في الأوّل دون الثاني و ما نحن فيه إنّما هو الثاني لأنّ المفروض حجّية جميع أفراد الخبر و وجوب العمل بكلّ فرد منه متميزا و لا مساس لذلك بالمقام و أمثاله من الأحكام العامة المستغرقة لحكم الوضع أو بقرينة المقام فإن قلت فكيف يحكم بالتخيير في تزاحم الواجبين كتزاحم الغريقين أو دينين و نحوهما قلت نحكم فيه بالتخيير من باب المناط العقلي بعد إحراز كون كلّ من الواجبين مقتضيا في نظر الشارع للتكليف لا من نفس خطاب ذلك الواجب كيف و هو غير جائز بناء على عدم جوازه في المعيّن حسبما عرفت (فإن قلت) فلم لا يتعقل كذلك في تعارض الخبرين فكما يجوز لك أن تقول إن إنقاذ الغريق مطلوب شرعا مهما أمكن سواء وقع المزاحمة بين فردين أو أفراد منه أو لا فكذلك يجوز لنا أن نقول مثل ذلك في الخبرين (قلت أوّلا) إنّ موضوع حكم العقل هناك محرز بحكم الفرض و هو وجوب الإنقاذ عند الإمكان لأنّا لا نحكم بالتخيير العقلي إلاّ بعد ثبوت ذلك المناط بأن علمنا من دليل ذلك أو من الخارج أو من الإجماع أن المزاحمة لا يؤثر في المطلوبيّة و المحبوبية عند الشارع و أن صفة الإنقاذ مقتضية للوجوب مهما أمكن و حينئذ يحكم العقل بالتخيير لأنّه غير معذور في ترك الكلّ بحيث كان قادرا على الإنقاذ في الجملة و ليس لأحدهما مرجح على الآخر و أمّا هنا فلم يحرز موضوع الحكم لا من دليله و لا من الخارج و لا من الإجماع فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصل (و ثانيا) أنّ الفرق بين المقامين واضح لأنّ مزاحمة الواجبات يرجع إلى تزاحم المصلحتين النفسيّتين ضرورة ثبوت المصلحة في نفس الواجب من غير أن يكون مطلوبا مقدّميا للغير و المراد بالمصلحة هو الغرض الباعث على التكليف فلا يتوقف التخيير في التزاحم على مسألة الحسن و القبح بخلاف تعارض الطريقين فإنّ المصلحة الباعثة على جعله حجّة هو الإيصال إلى الواقع و هذا الغرض غير موجود في كليهما حتى يحكم العقل بوجود المقتضي في كلّ منهما و من الجائز اختصاص المصلحة الباعثة على العمل بغير صورة المعارضة (فإن قلت) مصلحة الفعل موجودة في أحدهما المعيّن عند اللّه و إن لم نعلم به و مقتضاه البناء على حجّية أحدهما دون التساقط و عدم حجّية شيء منهما فيكون من باب اشتباه الحجّة بلا حجّة (قلت) أولا وجود مصلحة الفعل في أحدهما المعيّن عند اللّه أوّل الكلام إذ من المحتمل اشتراط حجّيته عند اللّه بعدم المعارضة و هذا الاحتمال لا دافع له لا من طريق اللّفظ نظرا إلى عدم شموله للمتعارضين حسبما مرّ و لا من طريق العقل لعدم مانع منه عقلا لإمكان أن يكون حجّية مشروطة بعدم المعارضة و هذا بخلاف تزاحم الواجبات و التكاليف النفسيّة فإنّها واجبات نفسيّة مصالح تشريعها في ذواتها بعد استجماع سائر الشّرائط غير المزاحمة و قضية ذلك عقلا وجوب امتثالهما بقدر الميسور و عدم سقوطه بالمعسور (و الحاصل) أنّ مقتضى المطلوبيّة النفسيّة كون المزاحمة مانعة من وجوب الامتثال بكلّ منهما عينا لا كون عدمها شرطا لأصل المحبوبيّة و المطلوبيّة بخلاف المطلوبيّة الغيريّة فإنّها محتملة لأن تكون مثل التكاليف النفسية في كون المزاحمة مانعة عن الامتثال لا كون عدمها شرطا في المطلوبيّة و يحتمل أن لا يكون كذلك بأن يكون أصل المطلوبية مشروطا بعدم المعارضة كما يساعده الذوق السّليم و الاعتبار الصّحيح فإن حكمة وجوب العمل بقول العدل مثلا إذا كانت
صرف الطّريقية كان الأحرى سقوطهما عن الاعتبار عند المعارضة كسقوط اعتباره مع العلم التفصيلي بخلافه فإذا جاء الاحتمال و لم يكن له دافع لا من اللّفظ و لا من العقل فمن أين يستقلّ العقل بوجود مقتضى العمل في كلّ منهما عند المعارضة حتّى يحكم بالتخيير و ثانيا أنّ وجود المصلحة في أحدهما المعيّن واقعا لا يقتضي بالتخيير بل مقتضاه التوقف أيضا و الرجوع إلى التخيير واضح شناعته لكونه خلاف التحقيق نظرا إلى أن الإيصال إلى الواقع حكمة لجعله حجّة لا علّة حتى يحكم بأنّ المطابق منهما للواقع واجد لمصلحة الجعل لا أنّ مقتضاه حصر الحجّية على كلّ خبر مطابق للواقع و فساده واضح ضرورة عدم الملازمة بين الحجّية و إصابة الواقع بل الحجّية ثابتة لكل خبر محتمل للمطابقة و هذا العنوان يصدق على كلّ واحد من المتعارضين فلا بدّ من الالتزام بحجّيتهما معا أو بعدم حجيتهما كذلك نعم