بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٠ - الجزء الخامس الكلام في معنى الضد المبحوث عنه
الآخر مع أن الاصطلاح لا يساعد إطلاق الضدّ عليها و كذا ينتقض بما لا محلّ له كأنّ النفي في الكلام يرجع إلى القيد الأخير فيكون قضيّة القيد الثّاني اعتبار عدم الاجتماع الخاص أي في محلّ واحد لا مطلقا فخرج نحو الدنيا و الآخرة و اللّيل و النهار و أيضا ينتقض بخلافين متغايري المحلّ كالعلم و السّواد و كذا الثالث ينتقض بما ذكر إلاّ اللوازم و ربما زيد في الثاني قيد قابلية المحلّ للتوارد احترازا عن الخلافين و هو تكلّف لا يناسب الحدود و الاعتراف باختلال طرده منه أهون و إن أردت حدّا سالما فلا بدّ لك من سلوك طريق التطويل بإكثار القيود و إن كان هو محذور آخر و كيف كان فالضدّ بالمعنى المصطلح المذكور لا يلائم إطلاقه على مبطلات الصّلاة و نواقض الطّهارة و موانع العقود و الإيقاعات و سائر الأسباب بل هو من التوسّعات في الاستعمالات الّتي عليها مدار أكثر المحاورات ثم إنّهم قسموا الضدّ في المقام على قسمين أحدهما الضدّ الخاص و اختلفوا في تفسيره كما يأتي و الثّاني الضدّ العام و له تفاسير ثلاثة (أحدها) ترك المأمور به و هذا هو الشائع في تفسيره و لكنه لا يلائم لمعناه الاصطلاحي لاختصاصه بالوجودي على جميع الحدود المذكورة فلا بدّ من حمل الضدّ في المقسم على معناه اللّغوي أي المنافي فيكون إطلاق الضدّ على الترك مبنيّا على كونه منافيا للمأمور به و يحتمل أن يكون مجازا عن الضدّ الاصطلاحي كما عليه جماعة و يشكل الأول بأنّه خروج عمّا استقرت عليه طرائقهم في المحاورات من محافظة المعاني العرفية و تقدّمها على المعاني اللّغوية عند الإطلاق و عدم القرينة سواء كان المعنى العرفي سببا لهجر المعنى اللّغوي و صيرورته مجازا كما في العرف العام أو كان المعنى اللغوي باقيا بحاله و كان اللّفظ مشتركا بينه و بين العرف الحادث كما هو كذلك في العرف الخاص غالبا فإن حدوث الاصطلاح لا يتوقف على هجر العرف العام كما هو المحسوس المشاهد بالعيان في اصطلاحات الناس شخصا أو نوعا و ذلك لأنّ مجرّد الاصطلاح قرينة على إرادة المعنى المصطلح عليه و لو لا ذلك لفسدت ثمرة البحث في ثبوت الحقيقة الشرعية كما لا يخفى و لو كان هناك قرينة صارفة عن عرف الخاص و دار الأمر بين العرف العام و مجاز العرف الخاص فالظاهر تقديم هذا المجاز على اللّغة و العرف العام و لو كان حقيقة فهو مجاز مقدّم على الحقيقة عند عدم القرينة المعيّنة و هذا نظير ما قيل أو يقال إن المشترك المشهور في أحد المعاني يحمل عليه عند الإطلاق فاستقرار اصطلاح الخاص كما هو قرينة صارفة عامة على عدم إرادة العرف العام فكذلك يصلح أن يكون قرينة لإرادة مجاز المصطلح عليه عند الدّوران فيراعى حينئذ ما يقتضيه قاعدة التجاوز من تقديم الأقرب فالأقرب بين المجازات القابلة و على هذا فمقتضى القاعدة المذكورة بعد تعذّر حمل الضدّ هنا على ما هو المصطلح عند العلماء أن يصار إلى مجازات هذا المعنى الاصطلاحي دون معناه اللّغوي و كأنّه الباعث على ما ارتكبوه من جعله مجازا عن المعنى الاصطلاحي و يشكل الثاني و هو كونه مجازا من معناه المصطلح عليه لعدم العلاقة المصحّحة للاستعمال هنا إذ العلاقة المتصوّرة في المقام ثلاث (أحدها) علاقة المجاورة كما صرّح به جماعة منهم المحقق القمي (رحمه الله) نظرا إلى اقتران الترك بالأضداد الوجودية (ثانيها) علاقة المشابهة لمشابهة الترك بالأضداد الوجوديّة في كونه منافيا للمأمور به (ثالثها) علاقة الكلّي و الفرد بأن أريد من الضدّ كلّ المنافي الشّامل للوجودي و العدمي بعلاقة الكلّي و الفرد ثم أريد منه خصوص الترك من حيث كونه فردا من أفراد المنافي و هاتان العلاقتان ذكرهما بعض السّادة الأعلام في ضوابطه و في الكل نظر لأنّ العلائق الّتي ذكروها للمجازات الّتي تبلغ إلى نيّف و عشرين كلّها نوعيّة بمعنى أن الغرض منها الإشارة إلى أنواع العلائق إجمالا و إلا فيعتبر في تلك العلائق المؤانسة العرفية و لولاها لكان الاستعمال غلطا أ لا ترى قولهم جرى النهر أو الميزاب صحيح بعلاقة المجاورة و مستحسن عرفا و جرى السّخر أو النبات أو الإنسان غلط مستهجن جدّا و منه يظهر فساد ما أورد على من جعل العلاقة هنا المجاورة بأنّها مختصة بالمحسوسات فإنّ ذلك أيضا غير مطّرد و كذا استعمال الأسد في الشجاع للمشابهة في الشجاعة صحيح و استعماله في البخر الجبان للمشابهة في البخار غلط و هكذا جميع أنواع العلائق و لذلك جعلوا عدم الاطراد من علائم المجاز يريدون أن سبب الاستعمال لو لم يكن مطّردا كشف ذلك عن كونه مجازا و قد بسطنا الكلام و حقّقنا المقام في البحث عن علائم الحقيقة و المجاز على
الوجه التام فلا على من راجعه اطّلاعا على ما سنح لنا هناك من بدائع الأوهام و يرد على الأخير مضافا إلى ما ذكرنا أنّه مبني على جواز استعمال اللّفظ المشترك في أحد معنييه بعلاقة الآخر و كذا على جواز استعمال الكلّي في الفرد على وجه الخصوصيّة بأن يراد من الضدّ خصوص الترك و قد مرّ منا في مقدّمات المسألة السّابقة إقامة الدّليل و البرهان على فساد القسمين من الاستعمال مضافا إلى عدم ثبوت شيء منهما في المحاورات و حيث قدّمنا الكلام في إثبات هذا المراد بما لا مزيد عليه طوينا الكلام عنه هنا كشحا و إن كان المصرّح به في كلمات القوم في الأصول و غيره جوازه و أيضا يرد على الأخير ابتناؤه على جواز سبك المجاز عن المجاز لأنّ استعمال الكلّي في الفرد على وجه الخصوصيّة مجاز عندهم و هو مجاز منسبك من المجاز الأوّل المبني على علاقة الكلّي و الفرد و في صحّته تأمّل بعد عدم معهوديته في شيء من