بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٢ - التّنبيه الثّاني في أن الواجب الغيري هل يترتب عليه الثواب و العقاب أو لا
هو على ترك الواجب من غير استناده إلى ترك المقدّمة لأن ترك الواجب و ترك المقدّمة كلاهما مستندان إلى الصارف فما رامه من إثبات وجوب الخروج مع القافلة و أن ترك الخروج هو الّذي صار سببا لاستحقاق العقاب فيكون الخروج واجبا غير مسلّم أن لا سببية في المقام و لا استناد بل ترك الواجب مستند إلى الصّارف (فإن قلت) ننقل الكلام إلى الصّارف فإن تركه مقدّمة سببيّة فيكون واجبا لأنّ ترك الواجب مستندا إلى عدم تركه فيتم المدّعى (قلت أوّلا) إن البحث في المقام إنما هو في المقدمات الخارجية مثل الخروج مع القافلة في المثال المذكور و تحصيل الماء للصّلاة و نحوهما دون الإرادة و الصارف (و ثانيا) إنّ البحث المذكور آت فيه أيضا فإنا نمنع سببيّة الصّارف لترك الواجب و نقول إنّه و ترك الواجب كلاهما مستندان إلى شيء واحد و هو عدم وجود المقتضي للطّاعة في نفس العاصي فيعاقب على ترك الواجب لكونه أمرا اختياريا من غير أن نلتزم استناده إلى ترك شيء من المقدّمات حتى الإرادة بل مستند إلى خبث ذات المأمور به (فإن قلت) إنه يلزم الجبر (قلنا) قد خرجت عن مسألة مقدّمة الواجب إلى مسألة أخرى غامضة ليس هنا محلّ الخوض فيها و قد ذكرنا بعض ما فيه من التحقيقات في أنّ الطّلب عين الإرادة أو غيرها (فإن قلت) حين ترك الخروج مع القافلة لم يتحقق منه بعد ترك الواجب فكيف يعاقب عليه (قلت) ترك الواجب عبارة عن عدم إتيان الواجب و عدم الإتيان مستمر من الأزل إلى الأبد فيعاقب عليه بعد تنجز الطّلب و تنجز العدم و استقراره لا مطلقا فإن عدم الواجب بعد تنجز التكليف ليس سببا للعقاب مطلقا بل السّبب هو العدم الّذي يمتنع الوجود بعد و هذا حاصل في محلّ الفرض إذ التكليف تعلّق بالمكلّف و القدرة على الامتثال أيضا حاصلة و عدم الامتثال أيضا مستقر ثابت فيعاقب عليه و لا حاجة في تصحيح العقاب على ترك الواجب إلى ارتكاب التكلّفات المردود على المكلّف كما عرفت ثمّ إنّ المثال الّذي مثّله محلّ مناقشة لأنا لا نلتزم بتنجز الخطاب بالحجّ قبل وقته حال خروج القافلة بل نقول إن وجوب الخروج وجوب تهيّائي على التحقيق الّذي تصدّعنا في إتقانه و إنّما يقول به من قال بالواجب (و إن شئت) مثالا موافقا للتحقيق فلنفرض ترك المقدمة المنحصرة في أوّل وقت الواجب الموسع بعد دخوله إذ الدليل العقلي المذكور لو تم يجري فيه كما لا يخفى فلو ترك الوضوء مثلا في أوّل وقت الفريضة مع العلم بعدم إمكانه بعد ذلك فإمّا يعاقب على ترك الوضوء أو ترك الصّلاة فعلى الأول يثبت المدّعى و على الثّاني فإمّا يعاقب عاجلا أو ينتظر إلى خروج الوقت إلى آخر ما ذكره في الدّليل المذكور و خلاصة الجواب أنّه يعاقب على ترك الصّلاة عاجلا من غير استناد إلى ترك الوضوء و لا يمنع عن تعجيل العقاب سعة وقته لأنّ سبب العقاب عدم الامتثال المستقر و هو محقق عند ترك الوضوء و ليس سبب العقاب هو ترك الوضوء حتى يعاقب بسببه بل سببه ترك الصّلاة الحاصل بترك الوضوء على الوجه الّذي قرّرناه فافهم و تدبّر (و أمّا المقام الثّاني) ففي ثبوت العقاب على ترك المقدمة الغير المصادف لترك ذيها و هو متفرّع على مسألة التجري لأن التجري قد يكون على فعل الحرام و قد يكون على ترك الواجب فلنتكلّم في التجري على فعل الحرام أولا حتى يتضح الحال في المقام (فنقول) إن المشهور على ما نقل هو حرمة التجري و استدلّ عليه بعض بدليل العقل قال ما نقل عنه شيخنا العلاّمة بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر فإمّا أن يستحقّا العقاب أو لا يستحقاه أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو العكس لا سبيل إلى الثاني و الرابع و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول و توضيحه بأحسن بيان أن المعصية قبيح عقلا و إن لم يكن حراما شرعا للزوم التّسلسل و الفارق بينها و بين التجري ليس إلاّ أمر غير اختياري و هو إصابة المقدّمات للواقع في المعصية و عدمها في التجري و القبح العقلي موضوعه الفعل الاختياري الخالص لأن ما هو خارج عن الاختيار و القدرة فهو حركة البهائم لا يتصف بشيء من الحسن و القبح العقليين و لا له دخل فيهما و المتصف بالقبح الفعلي في المعصية بعينه موجود في التجري و هو الإقدام على مخالفة المولى و هو القدر المشترك بينهما فيكون
قبيحا عقلا و مقتضى الملازمة بين القبح العقلي و الحرمة أن يكون حراما (و الحاصل) أن مناط الذّم و العقاب العقليين و كذلك المدح و الثواب و ملاكهما إنما هو الحسن و القبح العقليان فما لم يتصف العقل بحسن عقلي أو قبح كذلك لم يحكم العقل بترتب العقاب على تركه أو ترتب الثواب على فعله و قد أطبق أهل التّحسين و التقبيح على أن الفعل لا يتصف بالحسن و لا بالقبح إلا إذا كان مقدورا للمكلّف وجودا و عدما فما كان خارجا عن اختياره كلاّ أو بعضا لا يكون حسنا و لا قبيحا حتى إنّه لو احتمل على أجزاء و شرائط عديدة لزم أن يكون كلّها مقدورة ضرورة أن خروج بعض الأجزاء أو الشرائط عن تحت القدرة يوجب انتفاء قدرة