بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٣ - البحث الثّالث الكلام في أن الأمر عند الإطلاق ظاهر في الوجوب المطلق
يتصور في الطّلب المستفاد من الهيئة الّتي حالها حال الحروف و المبهمات في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و المستعمل فيه و كيف يعقل تنويع مفاد ما هو دائم الاستعمال في الجزئيات الحقيقية الشخصيّة من الطّلب فما التوفيق بين تقسيم مدلول الهيئة إلى الطّلب المطلق و المقيد الشائع المتعارف و بين كون الموضوع له و المستعمل فيه جزئيا حقيقيا هذا و يندفع الإشكال (الأوّل) بأن مرجع التقييد في الطّلب إلى توقف المصلحة الكامنة في الفعل الدّاعية إلى الطّلب على وجود الشرط المعلّق عليه فمعنى قوله إن جاءك زيد فأكرمه أن الغرض الباعث على الأمر إنّما يتحقق في الإكرام بعد مجيئه لا قبله لا إلى تقييد نفس الطّلب أو المطلوب (توضيح ذلك) أن المصلحة القائمة في المأمور به الباعثة على الأمر به لا يخلو إمّا أن تكون قائمة به مطلقا من غير اختصاصها بوقت أو حال أو تكون قائمة به في وقت دون وقت أو حال دون حال فيصير الطّلب بالاعتبارين المذكورين على ضربين و قد جرى الاصطلاح على تسمية الضّرب الأوّل بالوجوب المطلق و الضّرب الثّاني بالوجوب المشروط بمناسبة إطلاق المصلحة و عدم اختصاصها بحال دون حال في الأوّل و تقييدها على الوجه المذكور في الثاني و في كلّ من الضّربين لا تعليق في الطّلب فإنه صادر منجّزا في الصّورتين و إنّما التعليق في المصلحة الّتي هي صفة الفعل فإنّها على الأوّل مطلقة و على الثّاني مشروطة فالإطلاق و الاشتراط راجعان إلى المادة أي إلى مصلحتها المقتضية للأمر فلفظ الأمر صادر منجزا و معناه و هي الإرادة موجودة فعلا في الصّورتين إلا أن المراد في الصّورة الأولى و هو مطلق الفعل و في الثانية هو الفعل على تقدير المجيء مثلا فالاشتراط و التعليق راجعان إلى المطلوب بالمعنى المذكور أي مطلوبيّة الفعل على تقدير المجيء مثلا لا بمعنى كونه مقيدا به حتى يجب تحصيله من باب المقدّمة كما هو كذلك إذا كان القيد قيدا للمطلوب دون الطّلب نعم الإشكال المذكور غير منحسم على مذهب الأشاعرة القائلين بمغايرة الطّلب للإرادة و أن مدلول الأمر إنشاء نفسانيّ يسمّونه بالطّلب غير صفتي العلم و الإرادة و لذا التجئوا إلى التقدير في نحو المثال المذكور فقالوا إنّ الجزاء مقدّر و هو يقال في حقه أكرمه فيكون في معنى الإخبار بصدور الطلب بعد المجيء و نعم ما قيل في رده أنّه لو كان معنى قوله إن جاءك زيد فأكرمه أنه إذا جاء زيد يقال لك أكرمه كان على المأمور الانتظار و النّظر بعد المجيء هل يقول المولى أكرمه بعده أو لا و لا يجب عليه الامتثال بمجرّد السّماع للقول المذكور فإنّه إنّما وعد صدور الأمر بعده فلا أمر قبله حتى يجب امتثاله (و الحاصل) أنّ الشيء الموجود غير قابل للتعليق و الاشتراط و التقييد فاللّفظ و الإرادة و العلم بالمصلحة و كذا الإنشاء النفساني و غيرها من الصّفات النفسانية لا يفيد الاشتراط بل الاشتراط راجع إلى الغرض الدّاعي إلى الأمر و المصلحة الباعثة عليه فإنّه قد يكون معلّقا على حصول أمر غير حاصل و قد يكون غير معلّق بشيء موجود في المأمور به حال الأمر بل قبل صدوره و قد جرى الاصطلاح على تسمية اللفظ الكاشف عن الأوّل بالمشروط و عن الثّاني بالمطلق و قد يستراح عن الإشكال بإرجاع التعليق إلى تنويع المخاطبين المأمورين بنوعي الواجدين للشرط و الفاقدين له فمعنى أكرموا زيدا إن جاءكم أكرموا أيها الواجدون للشرط المذكور و لا يجب عليكم الإكرام أيها الفاقدون كما جرى عليه المحقق القمّي (رحمه الله) في الخطابات العامة الشّرعية و أنت خبير بأنه لو تم فلا يأتي في الخطاب المتوجّه إلى شخص خاص كما لو أمر المولى عبده بخطاب مشروط فقال أكرم زيدا إن جاءك اللّهمّ إلا أن يجعل الاشتراط قرينة على تنزيله المخاطب منزلة الواجد فيكون الخطاب أيضا مطلقا و يكون الاشتراط قرينة على التنزيل المذكور و هو كما ترى فافهم (و أمّا الإشكال الثّاني) فيندفع بأن المستعمل فيه و الموضوع له و إن كان جزئيا حقيقيا من جميع الجهات حتى النفسية و الغيرية و الأصلية و التبعية و التعبدية و التوصلية أيضا إلاّ أن المراد من الإطلاق هنا هو الإطلاق الذكري أعني كون اللّفظ عاريا و مجرّدا عن قرينة التقييد فورود الطّلب مطلقا أي مجرّدا عمّا يوجب التقييد بشيء في مقام البيان قرينة على نفي احتمال التقييد بشيء من التقييدات و لذا قلنا إن الأصل في الوجوب هو الوجوب المطلق النّفسي العيني التعييني لأنّ انفهام شيء من أضدادها من لفظ الأمر محتاج إلى ذكر القيد فإذا لم يذكر كشف ذلك عن الإطلاق و هو لا ينافي كون المستعمل فيه جزئيا حقيقيا لأن الطلب المطلق
أيضا جزئي و ليس بكلّي فالإطلاق هنا كالإطلاق في أسماء الأجناس إلا أن ذكر القيد هنا قرينة معينة للمبهم و هناك ليس قرينة على شيء على مختارنا لا معينة و لا صارفة بل تدلّ على الخصوصيّة الزائدة عمّا استفيد من لفظ المطلق من الماهيّة المهملة نعم على القول بأنّ الإطلاق جزء للموضوع له يكون ذكر القيد في أسماء الأجناس قرينة صارفة كما نصّ عليه في القوانين في باب المطلق و المقيّد بناء على كون الإطلاق وضعيّا (و الحاصل) أنا نقول إنّه لا بدّ أن يكون المستعمل فيه هنا فردا خاصّا من الطّلب و لا يجوز أن يكون هو الطّلب الكلّي الصّادق على المطلق و المقيد كما في أسماء الأجناس و لكن يحمل على المطلق لأنّه أيضا فرد منه و جزئي من جزئياته و هذا