بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠ - الكلام في الإشكالات الواردة على تحديد موضوعات العلوم
و هذا مثل الأوّل و لكن لا ينفع فيه ما قلنا في الأوّل لأنّ العلم الفوق لا يبحث عنها كما لا يخفى و يمكن أن يجاب عنه بوجهين الأوّل أن الواجب هو البحث عن أقسام العوارض كلا على تقدير ثبوتها و ليس للكلمة مع قطع النظر عن أنواعها و فصولها المنقسمة حكم يبحث عنه و الثاني هو تغليط جعل موضوع العلوم الأدبيّة هي الكلمة و جعل موضوعها مصاديقها كالاسم و الفعل و الحرف فنازلا و الثالث أن مسائل بعض العلوم ما يعرض موضوعه لأمر مباين كالأحوال الإعرابية العارضة للكلمة باعتبار الوضع و كالأحكام الشّرعية العارضة لأفعال المكلّفين باعتبار طلب الشارع و قد عرفت أنّ العرض المبحوث عنه في العلم ما كان عارضا لذات الموضوع أو لجزئه أو لخارج مساوي لا لمباين و الجواب عنه هيّن يعرف مما قلنا فيما يعرض للشيء بواسطة أمر مباين من أن المباين لا يكون إلا واسطة في الثبوت و ما يعرض الشيء باعتبار وسائط الثبوت كلّها عرض ذاتي بالمعنى المشار إليه و الرابع أنّ مسائل بعض العلوم كالفقه ممّا يبحث عمّا يعرض موضوعه بواسطة خارج أعمّ كالوجوب و الحرمة العارضين لموضوعهما بواسطة طلب الشارع الذي هو أعمّ منهما و أجيب بأنّ الواسطة أعني طلب الشارع و إن كان أعمّ من موضوع الوجوب و الحرمة و لكنه ليس أعمّ من موضوع العلم أعني فعل المكلّف و ردّ بما حاصله أن الواسطة حينئذ تكون خارجا أخصّ فإن لوحظ موضوع المسألة أعني وجوب شيء أو حرمته فالواسطة أعمّ و إن لوحظ موضوع العلم فالواسطة حينئذ أخصّ لأنّ الوجوب مثلا إنّما يعرض فعل المكلّف بواسطة الطّلب الّذي هو خارج أخص من فعل المكلّف ثم أجاب المورد عن الإشكال بما سمعت في الإشكال الثاني من أنّ الواسطة هنا أعني الطلب واسطة في ثبوت الوجوب للموضوع لا لعروضه (أقول) طلب الشارع ليس واسطة في عروض الحكم الشرعي لفعل المكلّف بل هو حكم شرعيّ عارض للفعل بنفسه كما لا يخفى نعم يجري فيه الإشكال الآتي و لعلّ المجيب حسب الحكم الشّرعي المعنى الّذي ينتزع من الطلب أعني كون الفعل بحيث يعاقب على تركه و يثاب على فعله و قد عرفت في تعريف الفقه التحقيق في ذلك و أن الحكم الشرعي أغنى الإيجاب الّذي هو من الإنشاءات لا الصّفة الّتي ينتزع منه و يعبّر عنه بالوجوب و إطلاق الحكم عليه مبني على نحو من التوسع و المسامحة و منه يظهر ما في جعل الواسطة هنا أمرا مباينا كما عرفت في الإشكال الثالث الخامس و هو أغمض الوجوه أنّ العلوم كلاّ أو جلاّ قد يبحث فيها عن الأحوال و العوارض اللاّحقة لموضوعاتها بواسطة أمر أخصّ بل البحث عمّا يعرضها لذاته أو لأمر مساوي نادر جدا إذ المسائل المبحوث عنها في كلّ علم موضوعها جزئي من جزئيات موضوع العلم و لا تتعدّى محمولاتها إلى غير موضوعاتها الخاصّة مثلا يبحث في النحو عن الأحوال الإعرابيّة و هي ممّا يعرض الكلمة بواسطة كونها اسما منصرفا و غير منصرف أو فعلا أو حرفا و ليس في النحو مسألة يبحث فيها عن جنس الكلمة و كذا الفقه يبحث فيه عن وجوب الصّلاة مثلا و حرمة كذا إلى آخر الأحكام و هي ممّا يعرض فعل المكلّف باعتبار كونه صلاة مثلا و بالجملة ما من علم إلاّ و مسائله كلاّ أو جلاّ باحثة عن أحوال الأنواع أو الأصناف المندرجة تحت موضوعه فهذا التعريف للموضوع لا ينطبق على شيء من الموضوعات فيكون التعريف بالمباين و أجاب عنه المحقّق الدّواني بوجهين الأوّل أنّ ما ذكروه في حدّ الموضوع مسامحة في العبارة و معناه ما يبحث فيه عمّا يعرضه لذاته أو يعرض لنوعه أو لشخصه أو يعرض عرضه الذّاتي و كأنّهم أجملوا في المقام ثقة بما فصلوه في موضوعات المسائل و أورد عليه تارة بأنّه إسناد المسامحة إلى رؤساء الفنّ و أخرى بأنّه يقضي باختلاط العلوم و عدم امتياز علم الأدنى عن الأعلى فإنّ موضوع العلم الأدنى من أنواع موضوع العلم الأعلى كموضوع علم الطّب أعني بدن الإنسان من حيث الصحة و المرض فإنّه من أنواع الجسم الّذي هو موضوع للعلم الطّبيعي و من عوارضه كموضوعات سائر العلوم فإنّها عوارض ذاتية لموضوع العلم الإلهي أعني الموجود و الثّاني الفرق بين محمول العلم و محمول المسألة نظير الفرق بين موضوعهما فمحمول العلم ما يحمل عليه محمولات المسائل و هو المفهوم المردّد بين جميعها و هو عرض ذاتي لموضوع العلم و إن كان كل واحد عرضا غريبا بالنظر إليه و ردّ بأن ذلك المفهوم المردّد غير مقصود بالبحث في العلوم و إنّما هو اعتبار صرف منتزع ممّا هو المقصود بالذّات من وضع العلم أعني الأحوالات الخاصة
اللاّحقة للموضوعات الخاصّة ثم أجاب المورد بمثل ما سبق في الإشكال الثالث و الرابع من الخلط بين واسطة العروض و واسطة الثبوت قال ما حاصله إن أخصية الواسطة أو أعميتها لا ينافي ذاتية العرض إذا كانت الواسطة ثبوتية أ لا ترى أنّ الفصول مع كونها أخصّ من الأجناس أعراض ذاتية لها نعم ما يعرض الذات بواسطة الأخصّ في العروض من الأعراض الغريبة و إن كانت الواسطة ذاتية بل مستندة إلى نفس الذّات بذاتها لأنّ عروض تلك العوارض حينئذ ليس لاستعداد حاصل في ذات المعروض بل في ذات الواسطة هذه خلاصة كلامه بعد التحرير و قد سبقه إلى ذلك الجواب بعض الأساطين المهرة في فنّ المعقول و إنما الفرق بين مقالتيهما بالإجمال و التّفصيل (أقول) ما ذكره في حلّ هذا الإشكال بظاهره غير سديد لأن الإشكال إنّما هو في الأعراض اللاحقة للموضوعات بواسطة تنزّلاتها في ضمن الأنواع و من الواضح أن ما يعرض للجنس باعتبار بعض تنزّلات وجوده و تعيناته إنّما يعرضه بواسطة أمر خارج أخصّ مثلا عروض الانصراف لجنس الكلمة إنّما هو بواسطة اسميّتها التي هي بمنزلة الفصل المقسّم لها و قد مثل المورد وفاقا لغير واحد للواسطة في العروض للأخصّ بما يعرض للجنس باعتبار لحوق الفصل به كالتّعجب العارض للحيوان باعتبار النّاطق و دعوى أن الناطق مثلا في المثال المزبور واسطة في العروض دون الثبوت بخلاف