بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٠ - التنبيه الثالث الكلام في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني
الذمّ و العقاب دون ما يوجب المدح و الثواب فإذا علم إجماله بالتكليف فإن انحل إلى معلوم و مشكوك فلا عليه إلاّ الاقتصار على القدر المعلوم و الرجوع في المشكوك إلى البراءة العقلية و إن لم يحصل به العلم بالامتثال في الجملة خلافا لمن قال بوجوب الاحتياط عند الشكّ في الشرائط و الأجزاء أو التخيير و التعيين فزعموا أنّ الواجب في الحكم العقلي بعد القطع بالتكليف المجمل هو الانحلال إلى شيء يحصل به الامتثال في الجملة و شيء مشكوك التكليف كما في غير الارتباطي مثل أداء الدّين فإنه إذا تردّد بين الأقلّ و الأكثر فلا مانع من الاقتصار على الأقلّ لحصول الامتثال به في الجملة و أمّا الارتباطي أو التعيين و التخيير فمقتضى استدعاء الامتثال اليقيني القطع بالبراءة هو الاحتياط بإتيان الأكثر إذ مع الاقتصار على الأقلّ لم يحصل العلم بالامتثال مطلقا و لو بالنّسبة إلى معلوم التكليف (و الجواب) أنّ وجوب تحصيل البراءة إنما هو بالنّسبة إلى ما علم تعلّق التكليف به دون ما شكّ فيه و القدر المعلوم في الارتباطي مثلا إنما هو الأقلّ لأنّه الّذي علم بأنّ تركه سبب للعقاب و أمّا الجزء المشكوك كالسّورة مثلا فلم يعلم التكليف به من أول الأمر حتى يجب الإتيان به فهي باقية تحت البراءة الأصلية فلو قيل مع الاقتصار بالأقلّ لا يقطع بالامتثال و لو في الجملة فكيف يقتصر عليه بعد العلم بالتكليف المجمل و انحلاله إلى معلوم و مشكوك لا ينفع إذا لم يكن في المعلوم علم بالامتثال و إنّما ينفع إذا حصل به الامتثال بقدره لأنّه ينحل حينئذ إلى الشكّ في التكليف بالنّسبة إلى الزائد لكونه بمنزلة الأوامر المتعدّدة و لو كان الخطاب واحدا كأدّ الدّين أو اقض ما فات مثلا قلنا وجوب القطع بالامتثال و تفريغ الذّمة بعد العلم بالتكليف إنّما هو لأجل الفرار عن الوقوع في الذّم و العقاب دون المدح و الثواب فالواجب بحكم العقل بعد القطع بالتكليف هو الفرار عن الضرر المعلوم دون الامتثال و تحصيل مطلوب المولى و هو حاصل مع الاقتصار على الأقلّ و تحقيق ذلك أن في امتثال أمر المولى جهتان (أحدهما) أنّه دفع للضّرر حيث إنّ مخالفة المولى سبب لاستحقاق العقاب (و ثانيهما) أنه جلب المنفعة لكون امتثال المولى حسنا عند العقلاء و سببا للمدح و الثواب و الواجب عند العقل إنما هو الأوّل دون الثاني فامتثال أمر المولى واجب عند العقل من حيث كونه دفعا للضّرر لا من حيث كونه مرضيّا للمولى أو مطلوبا له نعم لو قلنا إن امتثال المولى من حيث ذاته أيضا من الواجبات العقلية كردّ الوديعة اتّجه الاحتياط في المسألتين و لم يكن بدّ للعقل عن الإتيان بالأكثر و الفرد المعيّن ضرورة عدم العلم بالامتثال بالمعنى المذكور و لو في الجملة بالنّسبة إلى القدر المعلوم هناك لا يقال إن في ترك الجزء المشكوك احتمال للضّرر أيضا لاحتمال كونه جزءا للمأمور به الّذي تركه سببا للعقاب (لأنّا نقول) إن قاعدة قبح العقاب بلا بيان و توقف المؤاخذة على العلم حاكم على قاعدة نفي الضّرر و إلاّ اتجه مقالة الأخباري بأصالة الاحتياط في الشبهات و لو كانت بدوية و تمام الكلام فيه موكول إلى محلّه و الغرض هنا تلخيص ما إليه نظر الفريقين و في هذا القدر من البيان شفاء لما في عيون أولي الأبصار من الغي و الغبار فافهم و اغتنم و إذ قد عرفت ذلك فمن البيّن أن العلم الإجمالي على قسمين (قسم) ينحلّ إلى ما علم تعلّق التكليف به علما تفصيليا بحيث يحصل القطع باستحقاق العقاب على تركه و إلى ما كان مشكوكا (و قسم) لا ينحلّ إلى ذلك بل يكون نسبة الشكّ إلى كلّ من الطرفين على نحو يستحق العقاب بتركه و القدر المسلم من حكم العقل بوجوب الامتثال إنّما هو في القسم الثاني ضرورة عدم حصول القطع بعدم استحقاق العقاب إلاّ بإتيان الفردين و أمّا القسم الأول فلا حكم إلا بعدم ترك معلوم التكليف لحصول القطع بالوقوع في تبعة العقاب و لا نستوحش من عدم حصول الجزم بالامتثال بعد ما عرفت من عدم وجوبه لعدم برهان قطعي و لا دليل نقلي عليه و بعبارة أخرى القسم الأوّل من القسمين مجرى أصالة البراءة لغرض انحلال العلم فيه إلى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ و شكّ بدوي في وجوب الزائد عليه فيحكم بعدم وجوب ذلك الزائد قضاء لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و القسم الثاني مجرى أصالة الاحتياط لفرض عدم الانحلال الّذي يكون الشكّ معه شكّا في المكلّف به بعد العلم بأصل التّكليف و بالجملة ملاك النزاع بيننا و بين صاحب الحاشية هو أنّه جعل المناط في وجوب الامتثال إذا حصل العلم الإجمالي بالاشتغال
هو عدم انحلاله إلى معلوم الامتثال و مشكوكه حيث وافق في جريان أصل البراءة في الزائد في صورة انحلاله إلى معلوم الامتثال كما في الأقلّ و الأكثر الغير الارتباطي فهو أدق نظر ممّن أوجب الاحتياط في ذلك أيضا كما عزي إلى السيّد السّند صاحب الرياض و أمّا نحن فلا نلتزم بذلك المناط بل المناط عندنا في وجوب الامتثال هو عدم انحلال العلم إلى معلوم بالتكليف بحيث نعلم بالعقاب على تركه و ما لم يكن كذلك فلا لما ذكرنا من عدم سراية الحكم إلاّ في هذه الصّورة و حينئذ فالتخيير العقلي إنما هو من القسم الأوّل فإنّ الحصّة الموجودة في الفرد من الماهية قد تعلّق التكليف به قطعا و يحصل بتركه العقاب جزما فيحكم العقل حينئذ حكما بينا بعدم جواز تركها و لا يلتفت إلى حصول الامتثال أيضا بإتيانها و عدمه و بالجملة لما كان في هذا القسم من التخيير قدر جامع انحل العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي بالنّسبة إلى ذلك الجامع فيجب