بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٤ - الكلام في مدرك القاعدة المعروفة و هي أولوية الاشتراك المعنوي من الحقيقة و المجاز
أو لوحظ فيه زائدا على ملاحظة الجنس خصوصيّة كونه من ماء العنب أيضا فملاحظة الجنس هنا متيقّنة و الخصوصيّة الزائدة مشكوك فيها فتنتفي بالأصل (ثانيهما) أن يكون هناك معنيان متباينان و كان بينهما قدر جامع و استعمل اللّفظ في كلّ منهما على سبيل الاستقلال فالاشتراك المعنوي في مثل ذلك أولى من المجاز إذ لو كان حقيقة في أحد المعنيين و مجازا في الآخر يستلزم من استعمال اللّفظ في القدر المشترك عموم المجاز لأنّه حينئذ استعمل في القدر الجامع بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي و هو في غاية النّدرة و الشذوذ في الاستعمالات و من المعلوم أولويّة المجاز الشائع الراجح من المجاز الشاذ النادر و بناء على ذلك حين دوران الأمر بينهما و حينئذ فجريان الأولوية المذكورة في المقام مبني إمّا على ثبوت ملاحظة جنس الطلب في وضع الصيغة و شكّ في لحوظ خصوصيّة الوجوب و إمّا على ثبوت استعمال الصّيغة في الطّلب المطلق و هو الجامع بين الوجوب و النّدب و أنت خبير بأن المقام ممّا لا يكاد يتحقق فيه شيء منهما (أمّا الأوّل) فلأنّا نعلم بداهة أن الواضع إنّ وضع الصّيغة للوجوب لم يلاحظ حين الوضع تفصيل جنس الطّلب بملاحظة واحدة و خصوصية الوجوب و هو تأكّد الطّلب بملاحظة أخرى مستقلاّ حتى يجري فيه الأصل المذكور سيّما بعد ما سمعت من أنّ الوجوب و هو الطّلب المتحتّم أمر وحداني بسيط لا يقبل التجزئة (و أمّا الثّاني) فلاستحالة استعمالها في القدر المشترك لمنافاته لكون وضع الصّيغة وضع المبهمات إذ من شرط هذا الوضع أن يكون دائم الاستعمال في الجزئيات الحقيقية و لا يوجد مستقلاّ في القدر المشترك أبدا و إلاّ لكان كأسماء الأجناس وضعها عامّا و الموضوع له أيضا عامّا لا خاصّا و تخلص من ذلك بعض أرباب هذا القول بأن استعمال الصّيغة في القدر المشترك ليس على وجه الاستقلال حتّى ينافي ذلك لوضعها بل على نحو تعدّد الدّال و المدلول بأن تستعمل الصّيغة في جزء الوجوب و الندب في الاستعمالات الخارجية و هو حصّة الطّلب معراة عن اعتبار خصوصيّة الوجوب أو الندب على النّهج الّذي استقصينا الكلام فيه في طي المقدّمة الأولى و فيه (أوّلا) عدم كناية الاستعمال في القدر المشترك هكذا بل يعتبر في الأولوية المذكورة ثبوت الاستعمال في القدر المشترك على سبيل الاستقلال كما في أسماء الأجناس إذ ندرة عموم المجاز الموجب لترجيح الاشتراك المعنوي من المجاز إنّما هو مسلم إذا استعمل اللّفظ في القدر المشترك بين المعنى الحقيقي و المجازي استقلالا و أمّا على الوجه المذكور فلا فتأمل (و ثانيا) أنّ هذا النحو من الاستعمال غير ثابت في الخارج إذ لا شاهد على أنّ استعمالات الصّيغة في الوجوب أو النّدب من قبيل تعدّد الدّال و المدلول بأن استعملت الصّيغة في حصول الطّلب و خصوصية الوجوب و النّدب استفيدت من الخارج كما في أعتق رقبة مؤمنة لو أريد من الرقبة الجنس و من مؤمنة خصوصية الفرد أو أنّها استعملت في نفس الخصوصية كما لو استعملت الرقبة في خصوص المؤمنة و أوتي بلفظ المؤمنة لتكون كاشفة عن إرادة الخصوصية من لفظ الرّقبة و بالجملة فثبوت استعمال الصّيغة في القدر المشترك بين الوجوب و النّدب يحتاج إلى شيء يدلّ عليه و هو مفقود هنا و مجرّد إمكان استعمالها على هذا الوجه غير كاف في الأولوية كما لا يخفى و دعوى أنّ مقتضى أصالة الحقيقة أن يكون استعمال الصّيغة في الوجوب و النّدب في الاستعمالات الخارجية على سبيل تعدّد الدّال و المدلول لا على وجه الاستقلال مندفعة بأن المستدلّ إنّما هو بصدد إثبات الاستعمال في القدر المشترك لإثبات الوضع فلو ابتناه بأصالة الحقيقة لكان دورا مصرّحا ظاهرا كما لا يخفى هذا إذا رجع استعمال الصّيغة في الوجوب و الندب إلى تعدّد الدال و المدلول بأن يكون الصّيغة مستعملا في نفس الطّلب و أريد خصوصيّة الوجوب أو النّدب من الخارج كما صرّح به السّلطان (قدّس سرّه) موردا على صاحب المعالم (رحمه الله) و أمّا استعمالها فيهما مع إرادة قيد الخصوصية فيحتاج فهم ذلك إلى بيان المتكلّم لأن القرينة المفهمة للخصوصيّة لا تدلّ على أنّها أريدت من حاق الصّيغة و من هنا يعلم ما في كلام صاحب المعالم حيث أورد على القائلين بالاشتراك المعنوي لأجل الفرار عن المجاز بأن هذا كرّ على ما فرّ إذ يلزم منه أن يكون الصّيغة في كلّ من الوجوب و النّدب مجازا إذ مثل هذا المجاز لا مسرح به في المحاورات فضلا عن مقالات الفصحاء و هذا نظير ما قالوا في باب المشترك حيث قالوا إن استعمال اللّفظ المشترك في أحد المعنيين بملاحظة العلاقة الموجودة بينه و بين المعنى الآخر مجاز صحيح ضرورة أن الأصل في
الإفادة هو الوضع و لا يصار إلى المجاز إلاّ لأجل نكتة من بلاغة و نحوها و لا تدرك تلك النكتة إلاّ بعد العلم بالتجوز في الاستعمال و حينئذ فإن علم من القرينة المفهمة للمعنى المقصود أنّه معنى مجازي كما في رأيت أسدا يرمي فهو مجاز صحيح يحصل به الغرض المسوغ للمجاز و إن لم يعلم من القرينة المفهمة أصل التجوز و احتياج العلم به إلى تنصيص المستعمل خرج ذلك عن قانون المجازات و دخل في المضحكات و المستهجنات فلفظ المشترك بين المعنيين لو استعمل في أحد معنييه بملاحظة القرينة الموجودة بينه و بين المعنى الآخر كان ذلك لغوا محضا و عبثا صرفا إذ لا يفهم من القرينة المفهمة و هي القرينة المعينة إلا أنّ المستعمل فيه هو المعنى الفلاني و أمّا كونه باعتبار الوضع أو بملاحظة العلاقة المذكورة