بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٣ - و الثّاني
القضيّة المعقولة خاصّة أو مخالفة أحد القضيتين على البدل أو كلاهما معا أو غيرها من الاحتمالات المقصورة في المقام و ممّا ذكرنا ظهر أنّ التورية لا يخرج الكلام عن الكذب مطلقا سواء قلنا بالكلام النفسي أو لا (و العجب) ممن قال بذلك و أن مناط الصّدق و الكذب هو المعنى فإنّه لم يقل بالكلام النّفسي بل يعترف بانحصار الكلام في اللّفظي كما تقول فكيف يكون إرادة المعنى النفسي سببا لصدق الكلام مع مخالفة ظاهره للواقع و إن قال به فله وجه إلا أن التحقيق خلافه فإن الصّدق و الكذب من صفات اللّفظ دون المعنى كالتثنية و الجمع لا يقال الكلام النّفسي عبارة عمّا يوافق ظاهر الكلام من المعاني المعقولة لا كلّما يخطر بالبال عند الكلام فالتورية لا يتوقف على الكلام النفسي الباطل لأنا نقول سلّمنا ذلك مع وضوح فساده ضرورة اقتضائه الالتزام بثبوت قضيّتين معقولتين في ضمير المتكلّم عند التورية إحداهما الكلام النفسي على القول به و الأخرى التورية التي هي معقولة أخرى غيره لكنه غير مجد لمن أوجب مراعاتها فرارا عن الكذب إذ من الواضح البديهي كون الصّدق و الكذب من صفات الكلام إمّا اللّفظي كما هو الحق و إمّا النفسي كما يزعمه المجادل و أمّا الّذي هو خارج عن حقيقة الكلام و لا دخل له في كلامية الكلام فوجوده مستدرك لا يجدي في تحقق عنوان الصّدق و الكذب رأسا فلا وجه لوجوب مراعاتها عند الضّرورة نعم لا بأس بوجوبها تعبّدا شرعيّا لكنّه حسبما قلنا يحتاج إلى دليل و لا يساعده حديث تقدر الضّرورات بقدرها كما زعم (و الحاصل) أن وجوب التورية يحتاج إلى دليل صريح و لا يقتضيه ما قالوا عن أن الكذب حرام لا يصار إليه إلاّ عند الضّرورة و لا ضرورة إليه إلا مع عدم إمكان التورية لكونها صدقا هذا كلّه على ما يقتضيه القواعد العقليّة و أمّا الأدلّة النقلية فقد استدلّ شيخنا العلاّمة بطائفة من الأخبار على صدق التورية بقوله و مما يدلّ على سلب الكذب من التورية ما روي في الاحتجاج أنه سئل الصّادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جل في قضية إبراهيم (عليه السلام) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ قال (عليه السلام) ما فعل كبيرهم و ما كذب إبراهيم (عليه السلام) قيل و كيف ذلك فقال إنما قال إبراهيم إن كانوا ينطقون أي إن نطقوا فكبيرهم فعل و إن لم ينطقوا فلم يفعل شيئا فما نطقوا و ما كذب إبراهيم و سئل عن قوله تعالى أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قال إنّهم سرقوا يوسف من أبيه و سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ حكاية عن إبراهيم إِنِّي سَقِيمٌ قال ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتابا و في مستطرفات السّرائر من كتاب ابن بكير قال قلت لأبي عبد اللّه الرجل يستأذن عليه يقول للجارية قولي ليس هو هاهنا فقال لا بأس ليس بكذب فإن سلب الكذب مبني على أن يكون المشار إليه بقوله هاهنا موضع خال من الدّار إذ لا وجه له سوى ذلك و روي في الحيل من كتاب الطلاق للمبسوط أنّ واحدا من الصّحابة صحب واحدا آخر فاعترضها في باب الطّريق أعداء المصحوب فأنكر الصّاحب أنّه هو فأحلفوه فحلف لهم أنّه أخوه فلمّا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال له صدقت المسلم أخ المسلم إلى غير ذلك ممّا يظهر منه ذلك انتهى و ممّا يظهر منه ذلك ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد قال سمعت أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة تتصرّف على وجوه فلو شاء إنسان تصرّف كلامه كيف شاء و لا يكذب (قلت) الظّاهر المتراءى منها في بادي النظر و إن كان ما هو ذكره إلاّ أنّه عند دقيق النّظر لا يصلح شيء منها للاستناد به في المقام بل كلّها قاصرة عن إفادة ذلك دلالة و حجية أمّا الفقرة الأولى ممّا في الاحتجاج و هي قوله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى بل فعله كبيرهم (فنقول) إن الإمام (عليه السلام) أراد أن يبيّن أن في قوله تعالى نوع ارتكاب لخلاف الظاهر حيث إنّ حاصل كلامه يرجع إلى أن قوله تعالى إن كانوا ينطقون شرط لقوله بل فعله كبيرهم لا لقوله فاسألوهم كما يقتضيه الظّاهر فالآية على تفسير الإمام (عليه السلام) تكون هكذا بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فالرّواية مسوقة لبيان تخلّل جملة معترضة في البين في كلام اللّه تعالى الحاكي عن كلام إبراهيم و مثله في القرآن أكثر كثير و أين هذا من التورية و أمّا الفقرة الثانية و الثالثة فظاهرهما
و إن كان هو التورية أيضا إلاّ أنّه لا مانع من حملهما على تفسير البطون فيحتمل أن يكون تفسير الإمام (عليه السلام) للآيتين مبنيّا على مراعاة البطون الّتي لا تنافي للظاهر فيكون معنى ما ذكره الإمام (عليه السلام) لتفسير الآيتين بالباطن مع بقائهما على ظاهرهما و لا ضير فيه سوى لزوم الكذب في كلام الخليل و الصديق على نبيّنا (عليه السلام) و هو بعد ما روي في بعض الأخبار من أنّ الكذب في بعض المقامات أحلى من العسل غير منافي و أمّا رواية ابن بكير فدلالتها على سلب الحكم أظهر من دلالتها على سلب الموضوع فهو نظير قوله لا غيبة للفاسق ضرورة أنّ سلب الموضوع هنا مبني على الإضمار و التقدير المخالف للأصل بأن يحمل قوله ليس هاهنا على مكان خاصّ و هو مخالف للأصل بل مقتضى الأخذ بظاهره حمله على الكذب السّائغ دون الحمل على موضع خاصّ حتى تكون تورية فلم لا يبقى على ظاهره و يحمل على الكذب السّائغ و أمّا قوله (عليه السلام) صدقت المسلم أخ المسلم فإنما هو توجيه من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) في كلامه لا أنّه أراده و هو عين الحلف فقال له رسول اللّه صدقت و ذلك نظير قول القائل في جواب الأمير حين قال عتابا عليه لأحملنّك على الأدهم و الأشهب مثل الأمير يحملني على الأدهم