بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩١ - أحدهما
و لذا ذهب بعض الأصوليين إلى أن المطابقة دلالة اللّفظ على تمام المراد سواء كان حقيقة أو مجازا و التضمّن دلالته على جزء المراد و الالتزام دلالته على لازم المراد فوضع مكان الموضوع له المراد و يلزمه جريان الالتزام و التضمّن في الحقائق و المجازات كليهما كما أنّ البناء على التفسير الأوّل يقتضي انحصارهما في الحقائق نعم يظهر من التفتازاني في المقام خلاف المسلكين حيث نسب القول بأنّ التضمّن فهم الجزء في ضمن الكلّ و الالتزام فهم اللاّزم في ضمن الملزوم و أنّه إذا قصد باللّفظ الجزء أو اللاّزم كما في المجازات صارت الدّلالة عليهما مطابقة لا تضمّنا و لا التزاما إلى كثير من النّاس مشعرا بتمريضه و أن الحق خلافه و يؤيّده أيضا الإيراد الثالث من الإيرادات الثلاثة المتقدّمة كما يظهر للمتأمّل و على ما ذكره فالتّبعية في التضمّن و الالتزام غير ملحوظة رأسا لا بالقياس إلى الموضوع له و لا بالقياس إلى المراد بل يكون العبرة فيهما بالمدلول و أن دلالة اللّفظ على جزء الموضوع له دلالة تضمّنية سواء كانت الدّلالة عليه في ضمن الكلّ أم لا و كذا الالتزام و هذا مناف لما اتفق عليه الكلّ من اعتبار الحيثية في الدلالات الثلاث (و العجب) أنّه اعترف بلزوم قيد الحيثية في الحدود و مع ذلك يزعم أنّ دلالة اللّفظ المستعمل في الجزء أو اللاّزم دلالة تضمنية أو التزامية مع أن اللّفظ إذا استعمل في الجزء أو اللاّزم كانا مستقلّين بالإرادة فكيف يجري فيه حديث التضمّنية إلاّ أن يوجّه ذلك بما يأتي (و الحاصل) أنّ كلمات القوم في المقام لا يخلو عن تشويش و اختلال لكن الأمر فيه سهل بعد عدم اختلاف مقاصد الفنّ باختلاف الاصطلاحات في الدلالات بل باختلاف الوضوح و الخفاء و الّذي أظنّ أنّ تقسيم الدّلالة إلى الأقسام المذكورة تقسيم لما كان منها بسبب مدخلية الوضع من دون مدخلية القرينة فالمقسم فيها هي الدّلالة الغير المحتاجة إلى القرينة فالمجازات حينئذ خارجة عن الثلاثة لقصور المحدود لا لقصور الحدّ و إن أبيت إلا عن إدخال المجازات في إحدى الدلالات فالبناء على ما جرى عليه التفتازاني أولى ممّا جرى عليه بعض من تفسير المطابقة بدلالة اللّفظ على تمام المراد لأنّ فيه خروجا عن ظاهر الاصطلاح (فنقول) إنّ ظاهر الاصطلاح يقضي بأنّ دلالة اللّفظ المستعمل في اللاّزم و هو المسمّى بالمجاز دلالة التزاميّة و لا غائلة فيه و لا مشاحة (فإن قلت) فأين حديث التضمّنية الّتي صرّح بها الكلّ و مع مراعاتها كيف يصدق على المجاز تعريف الالتزام و هي دلالة اللّفظ على اللاّزم في ضمن الملزوم بأن يكون الانتقال إلى الملزوم سابقا على الانتقال إلى اللاّزم (قلت) التضمّنيّة بالمعنى المذكور موجودة في المجازات أيضا ضرورة انتقال الذهن فيها أوّلا إلى الحقيقة ثم إلى المعنى المجازي نعم لو أريد بالتبعيّة أن يكون اللاّزم تابعا للملزوم في الإرادة فهذا غير موجود في المجازات لأنّ المداليل المجازية مرادة بالذات حتى أنّ الانتقال إلى الحقيقة إنّما تعلّق به غرض المتكلّم المتجوّز تبعا لا أصالة و لعلّ من عدل عن تعريف القوم للمطابقة و فسّرها بالدلالة على تمام المراد ليتناول المجازات زعم أنّ المطابقة اسم لكلّ دلالة صريحة مرادة للمتكلّم قصدا و هذا موجود في المجازات أيضا و فيه أنّه لا داعي إلى تفسير المطابقة بذلك بعد استقرار ظاهر اصطلاحهم على غيره (فإن قلت) بناء على اختصاص المطابقة بالحقائق محافظة لظاهر الاصطلاح فدلالة اللّفظ المستعمل في الجزء مجازا عليه تضمّنيّة أو التزامية (قلت) يظهر من كلام التفتازاني المتقدّم أنّها تضمّنية و وجهه أنّ الذّهن في هذا الاستعمال أيضا ينتقل إلى المعنى المستعمل فيه و هو الجزء في ضمن الانتقال إلى المعنى الحقيقي و هو الكلّ و فائدة القرينة هي الدّلالة على كونه تمام المراد لا جزءه و لا منافاة بين كون الشّيء جزءا لمدلول اللّفظ و تمام المراد به كما مرّ إليه الإيماء و يمكن عدّها التزامية لأنّ الانتقال إلى الجزء من اللفظ الموضوع للكلّ بمساعدة القرينة انتقال إلى ما هو لازم للموضوع له و ليس عينه كما في سائر المجازات و لذا يطلق على التضمّن الالتزام كثيرا فالالتزام له إطلاقان أحدهما ما يقابل قسيميه و الثاني ما يقابل المطابقة بناء على أنّ الجزء و الخارج سيّان في كون الانتقال إليهما من لوازم الانتقال إلى الموضوع له فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تفسير المطابقة بدلالة اللّفظ على تمام المراد اقتراح لا طائل تحته و خروج عن اصطلاح الأواخر و الأوائل و أنّ المدلول إذا كان خارجا عن الموضوع له يسمّى الدّلالة عليه التزامية سواء كان تمام مراد اللاّفظ أو لازما لمراده و هكذا التضمّن و لا حزازة في ذلك بعد مساعدة الاصطلاح عليه (و
الثّاني) أن اللّزوم المعتبر في المداليل الالتزامية يعمّ العقلي و العرفي و العادي و هذا واضح و ربما قيل بعدم اشتراط اللّزوم في الالتزام و أنّ العبرة بحصول الانتقال إلى المعنى الخارج عند تعقل المسمّى سواء كان منشؤه اللّزوم أو قرائن الحال و عزاه التفتازاني إلى ظاهر ابن الحاجب في المختصر و صريح العلاّمة قطب الدّين في شرحه ثم اصطلح بين الفريقين بأنّ مراد المشترطين أيضا هو عدم الانفكاك بين التّعقّلين لا عدم الانفكاك في الخارج لوضوح عدم وجود اللّزوم بهذا المعنى في كثير من المجازات و الكنايات فيلزم خروجها عن كونها التزامية و كان بطلان التالي من المسلّمات فيما بينهم و هذا أيضا من مؤيّدات ما حقّقنا في معنى المطابقة و زعم المحقق الشّريف أنّ اللزوم المعتبر في المجازات لزوم واقعي أيضا إذا جعلنا الدالّ على المعنى المجازي مجموع اللّفظ و القرينة و إنّما يستند الانتقال إليه إلى القرينة إذا قلنا بأنّ الدال هو المجاز خاصّة و أراد بذلك الردّ على التفتازاني في ما اصطلح به بين القولين بتصحيح الكلّية المتوهّمة في كلام المشترطين للملازمة الواقعية و أنت خبير بأنّ ما ذكره نفخة بلا ضرام إذ العبد