بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨ - الكلام في بيان المراد من لفظ الأدلة في التعريف
من خواص النبوة و الإمامة و الظّاهر أيضا أنّ علم النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الوصي (عليه السلام) بالأشياء عنده ليس فعليّا حضوريّا بل شأنيا موقوفا على مشيّتهم كما هو المشهور بين الأصوليين و حينئذ فيرد عليه أنّه إذا جاز أن يكون علمهم بالأشياء على سبيل الاستعداد و القابلية جاز أن يكون على وجه النظر أيضا و إنّما يمتنع ذلك على القول الآخر من كون علمهم بالأشياء على وجه الانكشاف الفعلي الغير المتوقف على شيء و تحصيلهم العلم باستعمال بعض الأسباب الغيبيّة على ما تنطق به الأخبار بادّعائه لا ينافي التحصيل من النّظر أيضا أحيانا عدولا من تلك الأسباب إلى الأسباب العادية لمصلحة أو نكتة أو داعية كما هو ظاهر جملة من الأخبار الواردة في استنباط الإمام من الكتاب بعض الأحكام استنباطا نظريّا لا يدركه إلاّ الأوحدي العارف بطرق الاستنباط كما لا يخفى على المتدرب الماهر ثمّ إنّ صريح كلام هذا المحقق كظاهر كلام بعض المدققين الاعتراف باستفادة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من الكتاب و استفادة الأوصياء بعضهم من بعض و لكنّه يدعي الفرق بين استفادتهم و استفادتنا من كلماتهم و هو تحكم لأنّه إن أراد باستفادتنا استفادتنا من السّنة الظنيّة الثابتة بطريق الآحاد فالفرق مسلّم و لكنّا ننقل الكلام في استفادتنا من الكتاب و السّنة القطعيّة فإنه لا فرق بيننا و بين استفادة الإمام من الكتاب أو من كلام إمام آخر إلاّ من حيث إن استفادتنا ظنيّة لابتنائها على إعمال بعض الأصول و القواعد الظنية و استفادتهم (عليهم السلام) قطعيّة لحصولها من غير الاحتياج إلى شيء منها و هذا لا يصلح فرقا إلا على القول بخروج القطعيّات عن الفقه و هو مرغوب عنه سيّما عند هذا المحقق حيث شدد الإنكار على من زعم خروج الضّروريات كلّية فضلا عن القطعيات عن الفقه و إن أراد من استفادة الإمام (عليه السلام) من الكتاب غير معناها المتبادر مثل مجرّد مدخلية الكتاب في علم الإمام (عليه السلام) من غير أن يرجع إلى التّوصّل و النّظر المذكورين في تعريف الدّليل فهو و إن ذكره بعض من سبقه من المدققين حيث قال إنّ علم الملائكة و الأنبياء (عليهم السلام) إنّما هو بالضّرورة و إن كان لذوات الأدلّة مدخل في حصول العلم لهم لكن لا من حيث إنّها أدلّة بل من حيثية أخرى إلاّ أنّ هذا الكلام لا محصّل له لأنّا لا نفهم معنى له سوى أن يقال إنّ العلم الحاصل من الدّليل قد يكون مسبوقا بطلبه كالعلم الحاصل من التّواتر الّذي يطلبه الإنسان في المطالب السّمعيّة و يحصّله ثم ينتقل منه إلى ملزومه و قد لا يكون كذلك بل يحصل من الدّليل الغير المطلوب مثل العلم الحاصل ضرورة من التّواتر الّذي يعثر به الشخص من غير طلب بل من غير تصوّر لحصوله أوّلا و هذا غير مجد في المقام لوضوح أنّ المراد بكون العلم حاصلا عن الدليل في تعريف الفقه يعمّ القسمين إذ لم يشترط أحد في كون العلم بالأحكام عن الدليل فقها أن يكون ذلك العلم مسبوقا بطلب دليله و إن كان غالب ما يقع منه في الخارج كذلك و إن أرادوا أنّ الكتاب مثلا له مدخل في علم الإمام بالخاصية مثل بعض الأوراد و الأسباب الغيبيّة و كذا قول النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالنسبة إلى الإمام أو قول بعض الأئمة (عليهم السلام) لبعض آخر فهو و إن يتمّ به الفرق إلاّ أنه ادّعاء لخلاف البديهي لأنّ كل أحد يعلم أن استفادة الإمام (عليه السلام) من قول النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) ليس على بعض الوجوه الخارجة من معتاد التّحاور و التخاطب نعم يمكن منع الاستفادة و المدخلية رأسا حملا لظاهر ما ورد في استنباط الإمام (عليه السلام) من الكتاب على الاستدلال دون الاستنباط و هو جيّد على القول بكون علومهم فعليّة و أمّا على القول الآخر فلا بدّ من إقامة الدّليل على استحالة حصول العلم للإمام (عليه السلام) من الكتاب على حدّ العلم الحاصل من المحاورات (و منها) إخراج الضّروريات لأنّها غير مستفادة من الأدلّة بل من الضّرورة صرّح به في القوانين و أورد عليه بعض المحقّقين بأنّ الضروريات أيضا مستفادة من الأدلّة لأنّ العلم بالضّروريّات يتوقف على أمرين أحدهما ثبوتها عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الثّاني صدق النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و حقية ما جاء به و الذي يعلم بالضّرورية في الضّروريات إنما هو الأوّل لا الثّاني لتوقفه على ثبوت النّبوة المتوقف على النّظر و أجيب عنه بوجوه كلّها أو جلّها ركيكة ضعيفة و التّحقيق في الجواب أنّ النّتيجة تتبع في النظرية و الضّرورية المقدّمة الغير المفروغ عنها لا المجموع
إذا كانت إحدى المقدّمتين كذلك و المقدّمة الأخيرة أمر مفروغ عنه في جميع الأحكام الشّرعية فالعبرة في ضروريتها و نظريتها بحال المقدّمة الأولى أعني الثبوت من النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و توضيح ذلك أنه لا شبهة في أنّ العلم النظريّ بعد حصول المقدّمتين ضروري جدّا لأنّه في هذا اللّحاظ لا يحتاج إلى دليل و نظر آخر و بهذا الاعتبار جعل الأكثر المتواترات من الضّروريات نظرا إلى عدم توقفها بعد التّواتر على وسط و نظر آخرين و قبل حصولهما نظرية قطعا و أمّا بعد حصول إحداهما و الفراغ عنها فلينظر إلى المقدّمة الأخرى فإن كانت ضروريّة كان العلم الحاصل منها ضروريّا مثل ما قلنا في العلم الملحوظ بعد حصول المقدمتين و إن كانت تلك المقدّمة الحاصلة نظرية لأنّ العلم إذا لاحظناه في مرتبة حصول بعض مقدّماته استحال اتصافه بالنظرية بالنّسبة إلى تلك المقدّمة لأنّ الشّيء لا يتوقف على مقدّمته الحاصلة بالبداهة و لذا قالوا إنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه مطلق و إن كانت نظريّة كان الحاصل منهما نظريّا و هذا مثل تسمية الدليل بالشرعي و العقلي مع أنّ بعض مقدمات الدّليل في القياسات الشرعيّة عقليّة فإنّ هذه التسمية أيضا تابعة للمقدمة الغير المفروغ عنها فإن كانت شرعية سمّي الدليل شرعيا و إلاّ سمّي عقليّا و حينئذ نقول إنّ العلم بوجوب الصّلاة ضروري في حقّ الفقيه و إن كان بالنسبة إلى غير المعترف بالرّسالة نظريا لأنّ الفقيه لم يعلم به عن النظر في دليل قولك علم به من الدّليل الدّال على النبوة قلنا الفقيه لم يعلم به عن ذلك الدّليل و إنّما علم به عنه غيره كالشّاك في صدق النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الحاصل أنّ كلامنا في العلم بالأحكام