بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧ - الكلام في بيان المراد من لفظ الأدلة في التعريف
بالمقدّمات هو اللّه عزّ و جلّ أو غيره لأنّ الذّاتي غير متخلّف و مقتضى ذلك أن يكون علمه تعالى بالأحكام ناشئا عن العلم بأسبابها و عللها لأنّ المفروض أنّه تعالى عالم بالسّبب فيكون عالما بالمسبّب باعتبار علمه بالسّبب لما بين العلمين من الملازمة العقليّة و حينئذ فيحتاج في إخراج علمه تعالى إلى اعتبار العهد في الإضافة أو اعتبار الحيثية بأن يقال المتبادر من قولنا العلم عن الأدلّة هو العلم الحاصل عن الأدلّة من حيث إنها أدلّة أي بالنّظر لا بالخاصية هذه خلاصة كلامه و فيه أنّ استلزام العلم بالعلّة للعلم بالمعلول لا يستلزم توقف العلم بالمعلول على العلم بالعلّة لأنّ توقف الشّيء على الشّيء لا يستلزم توقف علمه به أيضا فيجوز حصول العلم بالمعلول قبل العلم بالعلّة أو معه و حينئذ فيخرج علم اللّه تعالى ضرورة عدم التّرتيب في مراتب علمه تعالى و إن كان المعلومات مترتبة كيف و التّرتيب في العلمين فصاعدا يستلزم الجهل بالمعلول في مرتبة العلم بالعلّة و استحالته في العلم التام العام الإلهي واضحة و إن لم يستحلّ الترتيب بين المعلومين عقلا لأنّ عدم تعلّق القدرة على المعلول في مرتبة القدرة على العلّة ليس لنقصان في القدرة العامة بل لعدم قابلية المقدور لتعلّق القدرة به فظهر أنّ احتمال حصول علم الله تعالى بسبب الّذي صار منشأ لاعتبار الحيثية ساقط في صريح العقل البديهي و أمّا على الثّاني فلأنّ المتبادر من قولنا العلم المتعلّق بالأحكام المستنبطة أو الحاصلة عن الأدلّة أن يعتبر الاستنباط و الحصول بالنّسبة إلى العالم بها لا غيره و هو عبارة أخرى عن كون العلم بها عن الأدلّة فلا يرد ما قيل من صدقه حينئذ على علم اللّه تعالى لكونه علما بالأحكام الحاصلة للمجتهدين من الأدلّة و لا حاجة أيضا إلى ما تمحّل بعض أهل التدقيق من اعتبار الحيثية أيضا لإخراج علمه تعالى بأن يقال إنّ تعليق الحكم بالوصف يدلّ على مدخليّته في الحكم فيستفاد من توصيف الأحكام بكونها عن الأدلّة علّية الأدلّة لنفس العلم و يمكن إرجاعه إلى ما قلنا لأنّه مبني على ملاحظة التوصيف بالقياس إلى العالم بالأحكام لا إلى غيره و هو حسن و بعض من حمل هذا التحمل على غير وجهه أورد عليه بأنّ الحيثية المزبورة إن ارتبطت بالعلم تمّ ما ذكر و أما إن ارتبطت بالأحكام فلا إذ يصدق على علمه تعالى أنّه علم بالأحكام المستنبطة عند المجتهدين عن الأدلّة من حيث إنّ تلك الأحكام المستنبطة عند المجتهدين كذلك ثمّ استدلّ على ارتباطه بالأحكام بما حاصله أن الحيثية إنّما ترتبط بما أخذت قيدا فيه لا بشيء آخر متعلّق بالمقيد و بما ذكرنا يظهر أنه لا مساس له بكلام المتحمل لأنّ كلامه مبني على ملاحظة الاستنباط عن الأدلّة بالقياس إلى العالم بها لا إلى غيره فافهم و الظّاهر أنّ غرض المورد الإيراد على هذا المتحمّل كما يستفاد من كلامه فيتوقف البحث في صحّته و سقمه على غير هذا المتمحّل (و منها) خروج علم الملائكة لأن علومه على نحو من الضّرورة و البداهة و إن كان لذوات الأدلّة نحو مدخليّة في علومهم فلا يرد ما يتوهّم من أنّ الكتاب مثلا له مدخليّة في إفادة العلم بمدلوله و لو عند الملائكة فكيف يقال بأنّ علومهم غير مستفادة من الأدلّة وجه عدم الورود أنّ مجرّد المدخليّة ليس مفاد كلمة عن النشوية لأنها تدلّ على كون الاستفادة على وجه النّظر و التأمّل و لعلّه مراد بعض أهل التّدقيق حيث ذكر أنّ علوم الملائكة إنما تخرج بالمتبادر من قولنا العلم عن الأدلّة أعني مدخليّة الحيثية و كون العلم ناشئا عن الأدلّة من حيث كونها أدلة أقول خروج علم الملائكة و إن صرّح به أكثر المحقّقين لكنه مبنيّ على قيام البرهان على فقدانهم للقوّة الاكتسابيّة بناء على كون كمالاتهم بأسرها فعلية كما ذكره أيضا في أهل الجنّة بعض الحكماء و العرفاء فيستحيل حصول العلم لهم على حدّ حصوله للآدمي القابل لبعض الصّفات الكمالية و الواجد للبعض الآخر أعني بالنظر الّذي هو من أفعال الذّهن الّذي لم يعلم ثبوته للملائكة و أنت خبير بأنّه لا سبيل لنا في إدراك ذلك و لا أخبرنا بأنه أيضا صادق يحصل العلم بقوله فمن الجائز حصول العلم ببعض الأحكام الشّرعية للملائكة كلاّ أو بعضا بالنّظر إلى بعض الأدلّة نحو حصوله للمجتهد و منه يعلم أنّ اعتبار الحيثية أيضا غير مجد فالصّواب أن يقال فخرج علم الملائكة لأنّا لا نعلم إمكان أن يكون علمهم بالأحكام ناشئا عن الأدلّة على وجه النّظر لأنّ العلم بإمكانه في حقّهم موقوف على الإحاطة التّامة بحقائقهم و دعوى أنّه لا بدّ في التحديد من العلم بسلامة الطّرد و لا يكفي مجرّد عدم العلم بالفساد غير ثابتة (و
منها) خروج علم الأنبياء و الأئمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) على التقريب المذكور و في علم الملائكة لأنّ علومهم ليست حاصلة من النّظر في الأدلّة كعلوم المجتهدين و إن كان لذوات بعض الأدلّة مدخلية في بعض هذه العلوم كالكتاب بالنّسبة إلى علم النّبي و كقول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالنّسبة إلى علم الوصيّ و قول آحاد المعصومين (عليهم السلام) بالنّسبة إلى المعصوم المتأخر فإنّ استفادة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من الكتاب على نحو آخر من الاستفادة غير راجع إلى نحو استفادتنا منه بالنظر و كذا استفادة الوصي من قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الوصيّ من قول وصيّ آخر كذا أفاد بعض المحققين وفاقا لما هو الظاهر من كلام بعض المدققين قال في توضيح المقام ما هذا لفظه فإنّ علومهم ضرورية حاصلة من أسباب باعثة عليه قد ذكر عدة منها في الأخبار و ليس قول جبرئيل أو سائر الملائكة للنبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو للإمام بمنزلة قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الإمام بالنّسبة إلينا إذ إفادة كلامهم العلم لنا إنّما يكون على سبيل النظر و الاستدلال و ملاحظة عصمتهم عن الكذب و السّهو و ليس كذلك الحال بالنّسبة إليهم (صلوات الله عليهم) بل إنّما يستفيد النّبي من الوحي علما ضروريّا بالحكم و كذا الإمام (عليه السلام) من قول الملك العلام أو الإلهام أو غيرهما من وجوه العلم على نحو ما يحصل لنا العلم الضّروري بالفطريات و كذا ما يستفيده الوصيّ عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الأوصياء بعضهم من بعض بطريق الوراثة انتهى موضع الحاجة من كلامه أحسن اللّه في إكرامه و الظّاهر أنّه أراد من الأسباب المذكورة بعضها في الأخبار مثل بعض الأعمال و الأوراد المورثة للعلم بالمجهول التي يكون العلم بها