بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٢ - بديعة الكلام في استعمال المشترك في أكثر من معنى
الاستقلال إذ الأمر مستعمل في الطّلب الغيري بحكم القرينة في المثال الأوّل و كلمة اللاّم مستعملة في الاختصاص الناقص في المثال الثّاني و من الواضح أن كلاّ من الطّلب و الاختصاص المذكورين ثابت لكلّ واحد من زيدين و الغفلة إنّما نشأت من الخلط بين الثّبوت و الثابت و حسبان أن النقصان إنما هو في الأوّل و أنت خبير بأن ثبوت الحكمين لكلّ واحد من المعنيين في المثالين ثبوت تامّ بالاستقلال و إنّما النقصان في أصل الحكم الثّابت أعني الطّلب و الملكية و أمّا العكس أيضا فهو غير وارد لأنّ اللّفظ على تقدير استعماله في مجموع المعنيين من حيث المجموع حسب ما فرضنا في اللّفظ المشترك بين أجزاء المركب الحقيقي أو الاعتباري يكون متعلّق النفي و الإثبات معنى واحدا بسيطا ذهنيّا مركبا خارجيّا كمفهوم السّكنجبين و يستحيل حينئذ تعلّق النّسبة المشتمل عليها ذلك الكلام بأجزائه مستقلاّ كما يظهر بالتأمّل (فإن قلت) إذا قيل زيد يرفع الحجر و أردت أن الزّيدين يرفعانه فالحكم فيه و هو الرّفع قائم بالمجموع لا بكلّ واحد مع أنّ ذلك داخل في محلّ النّزاع إذا كان إرادة الزّيدين من زيد على الوجه الأوّل قلت إن أريد بلفظ زيد في المثال ما هو مفاد التثنية صحّ هذا الاستعمال مع كون الحكم و هو الرّفع قائما بالمجموع نظرا إلى صحّة استعمال التثنية في هذا المقام كصحّته في صورة قيام الحكم بكلّ واحد أيضا لكن المتنازع فيه بمعزل عن ذلك لأن دلالة المشترك على المعنيين بناء على جواز استعماله فيهما ليست كدلالة التثنية و الجمع على أبعاضه إذ التعدّد فيهما يستفاد من صريح علامتيهما و ليس هو مما يدلّ عليه المشترك جدّا و إن كان لازما لمدلوله الّذي هو المعنيان (و الحاصل) أن القول بأنّ المشترك المستعمل في المعنيين يجري مجرى التثنية و الجمع في الدّلالة على التعدّد غفلة واضحة بل التحقيق أن استفادة المعنيين من المشترك بعد قيام القرينة على القول بصحّته ينحلّ إلى دلالتين مستقلّتين منفردتين كما في صورة تكرار اللّفظ مع اختلاف المعنى و ليس فيه دلالة على التعدد لأنّه خارج عن جميع المعاني و حينئذ فإن أريد بزيد في المثال ما يراد من لفظ التثنية صحّ نسبة الرّفع إلى ما أريد به من المعنيين سواء كان قائما بالمجموع أو بالآحاد كما هو الشّأن في أسماء العدد و الكلّ المجموعي و أمّا إذا أريد به المعنيان على وجه الاستقلال نحو الاستقلال في صورة تكرّر اللّفظ و تعدّد الاستعمال فالظّاهر بل المعلوم عدم صحّة ذلك إلاّ في صورة قيامه بكلّ واحد نعم يجوز النّسبة بعد التوسّع في الرّفع و إرادة مجرّد التحريك من لفظه نظير التوسّع في قوله قتل زيد و عمرو و بكرا إذ المراد بالقتل هنا ليس معناه الحقيقي لأنّ المفروض قيامه بمجموع زيد و عمرو لا بكلّ واحد فكيف ينسب إلى كلّ واحد كما يقتضيه ظاهر العبارة إلا أن يراد الاجتماع و المعيّة بالعاطفة فيبقى حينئذ ظاهر لفظ القتل على حاله و إلاّ فلا بدّ من حمل القتل على بعض المقدّمات فلو أريد بالقتل معناه الحقيقي و لم يرد بالعاطفة الاجتماع و المعية كان هذا القول كذبا كما هو واضح و حينئذ فلو قيل قتل زيد عمراً و أريد من زيد معنيان تعين أن يكون المراد بالقتل بعض المقدّمات إذ ليس هنا شيء يدلّ على الاجتماع و المعيّة و من الواضح أنّ القتل بهذا المعنى منسوب إلى كلّ واحد من المعنيين فصحّ قول المحققين في تحرير محلّ النزاع حيث ذكروا أنّه إذا استعمل المشترك في المعنيين بإرادتين مستقلّتين بحيث يكون كلّ واحد مناطا لتعلّق النفي و الإثبات و متعلّقا للحكم ضرورة ثبوت الملازمة بين الاستقلال في الإرادة مع التجرد عمّا يدلّ على اعتبار أمر زائد كالاستغراق أو الضمّ و المعيّة و بين الاستقلال في النفي و الإثبات (فإن قلت) إذا استعمل المشترك في مجموع المعنيين كالتثنية و أسماء العدد و نحوها ممّا يفيد مفاد الكلّ المجموعي فهل هو خارج عن محلّ النزاع أو داخل فإن زعمت أنّه خارج انتقض التحديد المذكور طردا فإنّ الحكم في مثله قد يتعلّق بكلّ واحد مستقلاّ كما اعترفت به آنفا في التثنية و إن زعمت أنّه داخل انتقض عكسا لأنّ الحكم في مثله قد يتعلّق بالمجموع من حيث المجموع باعترافك (قلت) إنّه خارج عن محلّ النزاع لأن الكلام كما بيّنا فيما لو استعمل المشترك في نفس المعاني كما في صورة التكرار و مفاد التثنية و الجمع و لعلّ المجموعي مشتمل على ذوات المفردات مع شيء زائد قولك يلزم اختلال التحديد طردا فيه أولا أنّه يخرج بالقيد الأوّل أعني الاستقلال بالإرادة و ثانيا أنّ مثل هذا الاستعمال باعتبار بعده عن مجاري
استعمالات المشترك غير ملتفت إليه في كلمات القوم فاستراحوا عن التصريح بما يخرجه عن محلّ الكلام ببعده عن الاستعمالات الجارية حتّى لا يكاد الاهتداء إليه في الاستعمالات و لو على القول بوجوب حمل المشترك المجرّد عن القرينة على جميع المعاني لأنّ الحمل على هذا الوجه لا يقتضيه الوضع و لا القرينة أمّا الأوّل فواضح ممّا قرّرنا إذ المشترك لم يوضع لمجموع المعاني كلفظ العثرة و لفظ المجموع بل لذوات المعاني و أمّا الثاني فلأنّ غاية ما يتيسر نصب القرينة عليه هو عدم ثبوت الحكم للآحاد و هو لا يكون دليلا على استعمال المشترك في المجموع لإمكان التصرّف حينئذ في لفظ الحكم المشتمل عليه الكلام على وجه يقوم بكلّ واحد كما بيّناه في مثل قوله رفع زيد الحجر إذا أريد بزيد اثنان فترك التصريح لخروجه عن مجاري الاستعمالات فقام البعد المزبور مقام القيد المخرج و نظيره ما يقال في المطلق من أنّ وجود القيد في المكلّف يجري مجرى التقييد في منع الإطلاق ثمّ إن تحرير محلّ النزاع على الوجه الّذي قرّرناه لا يساعده ظاهر مقالة القوم حيث إن المشترك المستعمل في المعنيين يعدونه في عداد العام حتّى أنّ غير واحد منهم كالعضدي و بعض من تبعه ذكر هذه المسألة في مبحث العام و الخاصّ