بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٣٣ - الأمر الثّالث الكلام في معنى الصحيح و الفاسد
الّتي هي من لوازم دار الدّنيا اخترعها الحكيم الحقيقي تلطّفا بالعباد و ترحما عليهم فكما أنّ ألفاظ المعاجين موضوعة لأمور مركّبة عديدة مقرونة بالشّرائط المقرّرة على القول بكونها أسامي للصّحيحة منها فكذلك ألفاظ العبادات مثلا موضوعة عند الصّحيحي لأفعال عديدة جامعة للشرائط المقرّرة فكما أنّ الحاجة إلى أكل المعجون ليس من الأمور المعتبرة في مداليل ألفاظها كذلك الحاجة إلى فعل العبادات المقتضية لتعلّق الطّلب و الأمر بها ليس معتبرا في مداليلها و ما يقصد من ألفاظها و إنّما الفرق بينهما في شيء و هو أنّ شرائط الأمر بالعبادات لما كانت شروطا لصحّة المأمور بها أيضا كسائر شرائط الوجود فلا جرم يمتنع تحقق مداليلها إذا لم يكن مأمورا بها لعدم الأمر بها إنّما هو لعدم تحقق بعض شروط تأثيرها و خاصيتها بخلاف المعاجين فإنّ شرائط الحاجة إلى شربها و أكلها لما لم تكن شروطا لوجودها و خاصيّتها فلم يتوقف صدق حقائقها على مجيء زمان الحاجة إلى أكلها و أمر الطّبيب إرشادا بأكلها (و الحاصل) أنّ مراد الصّحيحي أنّ الألفاظ موضوعة لشيء يلزم وجوده موافقة الأمر و ترتب الأثر من غير مدخليّة لصفة الموافقة مفهوما أو مصداقا في المسمّى و كذا ترتب الأثر و لا ملازمة بين كون الشّيء لازما للمعنى في الوجود الخارجي و كونه معتبرا شطرا أو شرطا في مفهوم اللّفظ فموافقة الأمر و ترتب الأثر و إن كانا يلازمان المعنى المقصود من لفظ الصّلاة عند وجودها إلا أنّهما غير معتبرين في المعنى شطرا أو شرطا و هذا مع وضوحه يدلّ عليه أمور (أحدها) أنّ موافقة الأمر لو اعتبرت في مدلول لفظ الصّلاة لزم أن يكون وضع لفظ الصّلاة عند الصّحيحي مثل وضع أسماء الإشارة لاشتمالها على معنى حرفي نصبيّ و هو الطلب أو موافقته كاشتمال أسماء الإشارة على معنى الإشارة و فساده مع وضوحه يظهر من ملاحظة الاستعمالات لفظ الصّلاة في المعنى العام الكلّي كما في قوله الصّلاة عمود الدّين و قوله الصّلاة خير موضوع و قد سبق في مبحث الأوضاع انحصار هذا النّحو من الوضع في الألفاظ الّتي لم تستعمل في المعاني الكلّية أبدا (و ثانيها) أنّ اعتبار الطّلب في مفهوم الصّلاة مثلا يوجب التزام الصّحيحي باستعمالها في نحو قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلاةَ* في الفاسدة و أيّ صحيحيّ يلتزم بذلك بل الظّاهر أنّه ممّا يتناكر عليه الفريقان إذ الأعمّيون مصرّحون بأنّ المراد بها في سياق الأوامر هو الصّحيح و لو بطريق تعدّد الدّال و المدلول كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى فتأمّل و أمّا الملازمة فواضحة لأنّ اعتبار موافقة الأمر المتعلّق بها في مفهومها يستلزم المحذور المشار إليه أعني توقف الحكم على الموضوع المتوقف عليه و هو دور بيّن فلا بدّ حينئذ من تجريد الصّلاة عن الطّلب حين تعلّق الأمر بها و التزام كون المأمور به هي الفاسدة و هذا هو المدّعى (فإن قلت) لا ضير في الالتزام بفساده بهذا المعنى ضرورة أنّ متعلّق الأوامر إنّما هو نفس الأفعال المقرونة بالشرائط عدا شرط الطّلب و هو ممّا يتسالم عليه الفريقان و إنّما المنكر هو كون المأمور به فاسدا باعتبار فقدان بعض الأجزاء و الشّرائط (قلت أوّلا) إنّ الطّلب أيضا من شرائط الصّحة في العبادات كسائر الشّروط فلا فرق بين الفساد النّاشئ من فقد هذا الشّرط أو سائر الشّروط (و ثانيا) أنّ قضية الكلام المذكور حمل الصّلاة مثلا على معنى ثالث خارج عن معناها اللّغوي و الشّرعي أمّا على مذهب الأعمي فواضح ضرورة كون المعنى الشّرعي عنده هو الأعم لا خصوص الأفعال المجرّدة عن وصف الطّلب و أمّا الصّحيحي فلأنّ المسمّى بالصّلاة شرعا على مذهبه هي الأفعال المقرونة بالشّرائط و الطّلب فحملها على مجرّد الأفعال مع الشّرائط التزام باشتمالها في سياق الأوامر في غير المعنيين (و ثالثها) أنّ اعتبار قيد الطّلب في مدلول الألفاظ عبث لا طائل تحته إذ الغرض من ملاحظة شيء في الموضوع له كشف اللّفظ عنه بالمطابقة أو بالتضمّن أو الالتزام و معلوم أنّ لفظ الصّلاة بنفسها و لو بعد تصريح الشّارع بملاحظة الطّلب في مسمّاها لا يدلّ عليه بل الدّال عليه لا بدّ أن يكون شيئا آخر هذا و يمكن الذّبّ عن هذا الوجه و الوجه الأول بدعوى أنّ المعتبر في مدلول لفظ الصّلاة مفهوم الطّلب لا مصداقه كلفظ المطلوب من غير فرق إلا من حيث العموم و الخصوص فالصّلاة موضوعة لمطلوب خاصّ أي لمفهوم عمل مقرون بمفهوم الطّلب كمعنى المطلوب فلا يرد حينئذ كون هذه الألفاظ من المبهمات و الحروف في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و لا كونها مشتملة على معنى حرفي نسبي كما يظهر بالتأمّل و لا كونها قاصرة في الدّلالة عليه إلا بمئونة الصّيغة لأنّ الموقوف على الصيغة
هو التصديق بحقيقة الطّلب لا تصوّر مفهومه لأنّه يحصل من نفس اللّفظ المفرد و أمّا الوجه الثاني فالظّاهر عدم اندفاعه بذلك لأنّ الأمر بمفهوم مأخوذ فيه الطّلب يستدعي سبق وجود الطّلب مثلا إذا قال المولى افعل مطلوبي أو مطلوبا في فهذا القول إنّما يصحّ إذا كان قد سبق منه طلب شيء و إلاّ كان لغوا فحيث لا طلب سابقا كما هو المفروض في الأوامر الابتدائية فلا بدّ عن تجريد اللّفظ الواقع في حيزها عن قيد الطّلب و هذا محذور لا يلتزم به أحد الفريقين (و فيه نظر) يأتي في ردّ من زعم أن لازم مذهب الصّحيحي لزوم التكرار في مثل قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلاةَ* لكن الدّعوى المذكورة لكمال ركاكتها و سخافتها لا ينبغي المصير إليها إذ الظّاهر على تقدير اعتبار الطّلب في مفهوم الصّلاة اعتبار مصداقه و حقيقته الخارجية لأنّها الّتي يتوقف عليها صحّتها كما لا يخفى و بالجملة لا سترة على أنّ الصّلاة عند الصّحيحي لم توضع لمعنى اعتبر فيه الطّلب شطرا أو شرطا بل إنّما وضع لمعروض الطّلب من غير مدخلية له في المسمّى بأحد الوجهين لعدم مساعدة شيء من أدلّته على ذلك خصوصا