الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٣ - الفصل الثامن نسخ الوجوب
استدل للقول الأوّل بأنّ المنسوخ لما دلَّ على الوجوب، أعني قوله: (فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً) فقد دلَّ على أُمور ثلاثة:
١. كون تقديم الصدقة جائزاً.
٢. كونه أمراً راجحاً.
٣. كونه أمراً لازماً.
و القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه كالجواز وكالرجحان فيؤخذ من دليل المنسوخ، نظيره ما إذا دل دليل على وجوب شيء و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد أيضاً لابأس بترك إكرامه فيحكم بأظهرية الدليل الثاني على الأوّل وعلى بقاء الجواز والرجحان.
يلاحظ عليه: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأُمور به، وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر، وهو كون البعث تمام الموضوع لوجوب الطاعة والالتزام بالعمل عند العقلاء، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فقد دلَّ على رفع اليد عن مدلول المنسوخ فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان إذ ليس له إلاّ ظهور واحد، لا ظهورات متعدّدة حتى يترك المنسوخ (اللزوم) ويؤخذ بالباقي (الجواز والرجحان).
وبعبارة أُخرى: الجواز والرجحان من لوازم البعث إلى الفعل، فإذا نسخ الملزوم فلا وجه لبقاء اللازم.
و ربّما يقاس المقام بالدليلين المتعارضين أي ما إذا دلَّ أحدهما على الوجوب والآخر على عدمه، فيُستكشف الجواز على كلّ تقدير.
لكنّه قياس مع وجود الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هناك انّما هو لاتفاق الدليلين على الجواز، بخلاف المقام إذ لم يتفقا على بقاء الجواز ، أمّا المنسوخ فإنّ مفاده البعث وقد ارتفع، وأمّا الناسخ فإنّ مفاده منحصر في رفع الوجوب لاإثبات أمر آخر.