دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٦١ - الاستدلال على البراءة بحكم العقل
و اما
الوجوب الطريقي، فهو أيضا غير متصور في المقام، لأنه مستلزم للدور، إذ
الوجوب الطريقي هو الّذي يترتب عليه احتمال العقاب، ويكون منشأ له كوجوب
الاحتياط الشرعي الثابت في موارده، فان احتمال العقاب فيها انما ينشأ من
هذا الوجوب المنجز للواقع على تقدير ثبوته، والموصل له بطريقه، مثلا إذا
رأينا شبحا من بعيد واحتملنا كونه إنسانا فوجوب الاحتياط في النفوس هو
الّذي أوجب احتمال العقاب في رميه، لاحتمال ترتب قتل نفس محترمة عليه.
و اما وجوب دفع الضرر المحتمل فاحتمال العقاب مأخوذ في موضوعه، فلو فرضنا ترتبه عليه على ما هو مقتضى كون الوجوب طريقيا، لزم الدور.
فتعين ان يكون وجوب دفع الضرر المحتمل إرشاديا، لا يترتب عليه غير ما كان
مترتبا على نفس احتمال العقاب من التحرز والاجتناب، فان الإنسان بحسب جبلته
وفطرته متحرز دائما عما يراه ضررا عليه ولو احتمالا، وعليه فقبح العقاب
بلا بيان يكون واردا على قاعدة وجوب دفع الضرر، ورافعا لموضوعها، فمورد كل
من القاعدتين مغاير لمورد الآخر بالكلية، توضيح ذلك: ان التكليف مهما بلغ
من الأهمية لا يكون محركا للعبد وان وصل إليه صغرى وكبرى، وانما المحرك له
بعثا أو زجرا هو احتمال العقاب، واستقلال العقل بحسنه وصحته، وهذا هو معنى
وجوب دفع الضرر المحتمل، فان الإنسان لحبه بنفسه يحترز عن كل ما يراه مضرا
له، فإذا قطع بثبوت العقاب في مورد أو احتمله ينزجر عنه لا محالة، وإلاّ
فمجرد بعث المولى أو زجره الّذي ليس إلاّ امرا اعتباريا لا يكون محركا
للعبد وان كان واصلا، فانه لا يتحرك عن تحريك المولى إذا لم يكن فيه ما
يرجع إلى نفسه من جلب نفع أو دفع ضرر، والغالب في التحريك هو احتمال العفو
والغفران من اللّه تعالى، ولعل هذا هو المراد مما ورد في بعض الاخبار من أن
العقل هو الرسول الباطني، وان من ليس له زاجر من نفسه لا ينفعه زاجر من
غيره.