دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٣٩٣ - المسألة الثانية فيما كان الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه
قلت:
العلم الإجمالي المتعلق به بما انه أوجب سقوط الأصول في أطرافه فاحتمال
التكليف في كل طرف منجز له في نفسه، إلاّ ان الاضطرار إلى بعض الأطراف أوجب
رفع اليد عن ذلك في أول وجود، ولا مقتضى معه لرفع اليد عنه في غيره من
الأطراف، فان الضرورات تقدر بقدرها.
و نظير المقام دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فان التكليف الواقعي في
مورده وان كان واحدا غير متعدد إلاّ ان تعلقه بالأقل معلوم، فيتنجز
بالإضافة إليه، وتعلقه بالزائد على المتيقن مشكوك فيه، فيجري فيه البراءة،
فكما ان وحدة التكليف فيه واقعا لا تنافي تنجزه على تقدير دون تقدير كذلك
الحال في المقام.
و مما ذكرناه ظهر الفرق بين المقام وبين الاضطرار إلى المعين، فان المعين
المضطر إليه إذا كان مصادفا للحرام الواقعي ترتفع حرمته واقعا، فلا علم معه
بالتكليف الفعلي، لاحتمال كون الحرام هو المضطر إليه فيما إذا كان
الاضطرار سابقا على العلم الإجمالي، وهذا بخلاف المقام، فان الاضطرار كما
عرفت انما تعلق بالجامع بين الحرام والحلال، فلا يوجب ارتفاع الحرمة
الواقعية، غاية الأمر انه لا تجب الموافقة لقطعية كما عرفت.
كما انه ظهر فساد ما في الكفاية[١]من
ان الترخيص في بعض الأطراف ينافي العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فلا
يبقى إلاّ احتمال التكليف في غير ما يختاره المكلف، وهو مندفع بالأصل،
وذلك لأن الترخيص في بعض الأطراف لو كان ترخيصا واقعيا كما في الاضطرار إلى
المعين لكان الأمر كما ذكره، إلاّ أنه في المقام ليس كذلك، إذ المفروض عدم
الاضطرار إلى ارتكاب المحرم الواقعي، غاية الأمر يحتمل انطباقه على ما
يختاره المكلف، وهو لا يقتضي إلاّ الترخيص فيه ظاهرا،
[١]كفاية الأصول: ٢-٢١٦.