دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٤٤٥ - دوران الأمر بين الأقل والأكثر في المركبات التحليلية
و ان
كان كل من الواجبين مساويا مع الآخر من جهة الملاك، فحيث لا ترجيح في البين
فلا يعقل التكليف الفعلي المطلق بخصوص أحدهما دون الآخر، فلا بد من
التكليف بكل منهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر، أو بهما معا على نحو
التخيير على الخلاف المتقدم في محله. وعلى كل من القولين لا ينبغي الإشكال
في جواز الاكتفاء بأحدهما وتفويت ملاك الآخر، لأنه أقصى ما يتمكن المكلف
منه من تحصيل غرض المولى كما هو المفروض.
و اما إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين محتمل الأهمية، فالإتيان به ولو
بتفويت الملاك في الآخر لا إشكال في جوازه، لدوران الأمر بين كونه متعينا
في مقام الامتثال أو مخيرا بينه وبين الطرف الآخر، وعلى كل حال فالإتيان به
خال عن المحذور. واما تفويت الغرض المحتمل أهميته مع القدرة تكوينا على
تحصيله فلم يثبت جوازه، فان الإتيان بالطرف الآخر وان كان موجبا بعجز
المكلف عنه إلاّ انه تعجيز اختياري، وهو لا ينافي صحة العقاب. وبالجملة
الملاك الملزم المتحقق في ما احتمل أهميته لا يجوز تفويته في حكم العقل
إلاّ بالعجز تكوينا أو تشريعا، والمفروض في المقام قدرة المكلف على تحصيله
ولو بتفويت الملاك الآخر، فلا يجوز تفويته لحكم العقل بالاشتغال واستحقاق
العقاب على تفويته من غير عذر.
و مما ذكرنا يظهر الفرق بين هذا القسم والقسم الأول، فان الشك في التخيير
والتعيين في القسم الأول انما كان ناشئا من الشك في كيفية الجعل، والجهل
بمتعلق تكليف المولى وما يفي به غرضه، فلا مانع من الرجوع فيه إلى البراءة
عن التكليف الزائد على المقدار المتيقن، بخلاف الشك في هذا القسم، فانه
ناشئ من التزاحم بعد إحراز متعلق التكليف واشتمال كل من الواجبين على
الملاك الملزم، فلا مناص فيه من القول بالاشتغال، تحصيلا للفراغ اليقيني
والأمن من العقوبة.