دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٤٤٤ - دوران الأمر بين الأقل والأكثر في المركبات التحليلية
عرفت في
محله من ان الشك في الحجية في مقام الجعل مساوق للقطع بعدم الحجية
الفعلية، فكلما شك في حجيته لشبهة حكمية أو موضوعية لا يصح الاعتماد عليه
في مقام العمل، كما لا يصح اسناد مؤداه إلى المولى ولو ظاهرا.
و اما القسم الثالث: وهو ما إذا دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير في
مقام الامتثال لأجل التزاحم، فالحق فيه هو الحكم بالتعيين. وتوضيح ذلك
يبتني على تقديم مقدمتين.
الأولى: ان التزاحم في مقام الامتثال وان أوجب سقوط أحد التكليفين بامتثال
الآخر لا محالة، لاستحالة بقائهما على إطلاقهما، إلاّ أنه لا يوجب سقوط
الملاكين عما هما عليه من حد الإلزام، إذ المفروض ان عجز المكلف هو الّذي
أوجب التزاحم ورفع اليد عن أحد الخطابين في ظرف امتثال الآخر، وإلاّ كان
الواجب امتثالهما معا وعدم جواز الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.
الثانية: قد ذكرنا في محله انّ تفويت الغرض الملزم بعد إحرازه بمنزلة
مخالفة التكليف الواصل في حكم العقل بقبحه، ولا يرتفع هذا القبح إلاّ بعجز
المكلف تكوينا، أو بتعجيز المولى إياه بامره بما لا يجتمع معه في الخارج،
وما لم يتحقق شيء من الأمرين يحكم العقل بقبح التفويت واستحقاق العقاب
عليه.
إذا عرفت ذلك نقول: إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين معلوم الأهمية، فلا
محالة يكون التكليف الفعلي متعلقا به، وصارفا لقدرة المكلف نحوه، والملاك
في الطرف الآخر وان كان ملزما في نفسه إلاّ ان تفويته مستند إلى تعجيز
المولى، لأمره بصرف القدرة إلى ما يضاده، فإذا أتى المكلف بالواجب الأهم
كان معذورا في تفويت الملاك الآخر بالضرورة. نعم لو عصى هذا التكليف لم يكن
مانع عن التكليف بالمهم، بناء على ما قررناه في محله من إمكان التكليف
بالضدين على نحو الترتب.