دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٦٠ - الاستدلال على البراءة بحكم العقل
و
التحقيق في الجواب: يقتضي تقديم مقدمة: وهي ان التعارض في الأحكام الشرعية
انما يكون بين دليلين ظنيين من جهة، فقد يكون التنافي بين ظهورين وان كان
سند كل منهما قطعيا، وقد يكون بين نصين صريحين إذا كان سندهما ظنيا. واما
الدليلان القطعيان سندا ودلالة وجهة فيستحيل وقوع المعارضة بينهما،
لاستلزامه التناقض، بل لا بد في مثل ذلك من أن يكون أحد الدليلين واردا أو
حاكما على الآخر، واما الأحكام العقلية فيستحيل المعارضة فيها، لاستلزامه
حكم العقل بثبوت المتناقضين. ففيما نحن فيه لو التزمنا بالمعارضة بين
القاعدتين لزم أن يكون العقل حكما باستحقاق العقاب وبعدمه في مورد واحد،
وهو محال.
إذا عرفت ذلك فنقول: ان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان من الأمور المسلمة
بين الأخباريين والأصوليين، ولم يستشكل فيه أحد من العقلاء الملتزمين
بالحسن والقبح العقليين. واما توهم معارضته بوجوب دفع الضرر المحتمل،
فيدفعه ان الضرر المحتمل الواجب دفعه اما ان يراد به العقاب الأخروي، أو
يراد به الضرر الدنيوي، أو يراد به المفسدة المقتضية لجعل الحرمة. فان كان
المراد به العقاب، فلا يخلو الحال في وجوب دفعه من أن يكون وجوبا نفسيا أو
طريقيا أو إرشاديا.
أما الوجوب النفسيّ فهو على تقدير ثبوته لا يصح العقاب إلاّ على نفس
مخالفته، لا على مخالفة التكاليف الواقعية المجهولة بعد فرض عدم وصولها إلى
المكلف لا بنفسها ولا بطريقها، فإذا فرضنا الواقع المجهول غير واصل إلى
المكلف بوجه فقاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع احتمال العقاب على مخالفته،
فينتفي موضوع لزوم دفع الضرر المحتمل، فيختص مورده بغير المقام مما تنجز
الواقع فيه بمنجز من علم إجمالي وغيره. على ان الالتزام بالوجوب النفسيّ
باطل من أصله، لاستلزامه تعدد العقاب فيما إذا كان الاحتمال مصادفا للواقع،
ولا يلتزم به، فان ارتكاب ما يحتمل فيه العقاب لا يزيد على ارتكاب ما يقطع
بترتب العقاب عليه.