تاريخ اليمن الإسلامي - أحمد بن أحمد بن محمّد المطاع - الصفحة ١٧ - تمهيد
الكثيرون يعولون عليها تعويلهم على المشاهدة ، وكانوا يرجحونها على حكم العقل لأنه قد يسهل أن يسلم بنتائج غير صحيحة».
وكان بين المؤرخين دائما قوم يذكرون مختلف الروايات من غير تشيع ، وكان آخرون مع ما أظهروا من مراعاة لمطالب الحاضر لا يترددون في الحكم على الماضي أحكاما يتفاوت حظها من الصحة ، وكثيرا ما يسهل على الإنسان أن يصيب في حكمه على الحوادث الماضية أكثر مما يسهل عليه الحكم على شؤون العصر الذي يعيش فيه» [١].
وقد أنتج الفكر العربي عند ما استبحر في العمران ، واتسع نفوذه ، وازدادت معارفه قسما من أقسام التاريخ تفنن فيه تفننا يفوق الوصف ، وبلغ فيه مبلغا من الاتقان لا يدرك شأوه ، واستعمل فيه النقد والتمحيص إلى أبعد حدوده وذلك فن التراجم.
فإنه اتسع نطاق التأليف والمؤلفين فيه وذهبوا في الجودة والافتنان كل مذهب ، فقسموا كتبه إلى خاصة وعامة ، وبذلوا عناية كبرى في تتبع أحوال عظماء الرجال ، وآثارهم وكل ما يحيط بحياتهم ويلابسها من خير وشر ، وفضل ونقص ، وتعمقوا في مسايرة حياة من ترجموا لهم وتأثروهم خطوة خطوة. ولشدة عنايتهم بفن التراجم جعلوا المؤلفات العامة للنابهين في أي فن كان ، والخاصة لمن نبغ في فن مخصوص كالنحاة والأطباء والكتاب والشعراء والفقهاء والمتكلمين والحجاب والوزراء والزهاد والمتصوفة والأدباء والمغنّين ونحوهم.
فكانت هذه الكتب القيمة من أغزر الموارد في الأدب العربي ، وأروع الآثار في التاريخ ، لأنها تدلنا على كثير من الفوائد التي لا وجود لها إلا في التراجم ، ولولاها لا فتقدنا حلقات من تاريخنا لا يكمل وجوده بدونها ، وكان
[١] راجع تاريخ الفلسفة في الإسلام.