منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢٧ - القسم الرابع في شرائط الوقف
يقوى في النظر ان المسألتين من وادٍ واحد و ان اشتهر البطلان في الاقتران بالمدة دون ما هنا، إذ الانقطاع فيهما سواء فلا جرم ان نوضح ذلك بأن يقال انه يلزم ان يلحظ في الوقف مدة بقاء العين الموقوفة فتوقف على من يستوفى ثمرتها إلى انتهاء عمرها و يختلف ذلك في الاعيان الموقوفة من الحيوان و غيره و بذا يتميز الوقف عن الغاية و الحبس و السكنى و العمرى و الوصية بالمنفعة و الإجارة فيلزمه خروج العين عن ملك الواقف إلى غيره و عدم سلطنة الموقف على العين كما ان ليس للموقوف عليه السلطنة على نقل العين لغيره و ان ملكها فإن ملكية الموقوفة ليس على حد تملكها بغير الوقف مما يفيد النقل و حينئذٍ فلو قرن الوقف بمدة ينتهي عمر الموقوفة غالباً بها على من يزيد عمره عليها غالباً صحَّ الوقف بلا ريب لعدم الانقطاع في الموقوف و الموقوف عليه و يكفي ظن ذلك في صحة الوقف فإن تبين الخلاف يحكم به بعد التبين بما تقتضيه القواعد الفقهية، و كذا يلزم ان يلاحظ الواقف عدم خلو وقفه عمّن يستوفي ثمرته مدة بقائه فيلزم ان يسوقه في المنقرضين بمقدار استعداد تلك العين للبقاء بحيث انها تنقرض بوجود من يجوز ثمرتها و القدر المتيقن من مشروعية الوقف الذي يمتاز عن غيره به هو هذا، فهو علّقه بمدة تزيد على استيفاء ثمرة الموقوف بأن يعلم انقراض الموقوف عليه و هي باقية لا أحد يستوفي ثمرتها بطل الوقف و لا يكون حبساً و كذا لو وقفه على من ينقرض قبل انقراض الموقوف غاية ما في الباب ان عقد الوقف فيهما يكشف عن اباحة استيفاء المنفعة لمن ذكر انه موقوف عليه ما لم تعم قرينة انه استعمله في الحبس و قصده، و كذا العكس و لو صلح انتهاء المدة و انقراض الموقوف عليهم في الوقف و عدمها في الحبس قرينة الاستعمال و القصد كان الحبس وقفاً و الوقف حبساً و إلى ما ذكرنا من ان الدوام الملحوظ في الوقف هو دوام الموقوف عليه و ان تمَّ عمر الوقف قبله صريح نصوصه منها صحيح زرارة قلت له: (
روى بعض مواليك عن آبائك ان كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة و كل وقت إلى غير وقت قيل مجهول فهو باطل مردود على الورثة و انت أعلم بقول آبائك فكتب: هو كذلك عندي
)، و صحيح بن الصفار
كتبت إلى أبي محمد" عليه السلام" أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو فقد روى ان الوقف إذا كان غير مؤقت فهو باطل مردود على الورثة إذا كان موقتاً فهو صحيح ممضي، و قال قوم: ان الوقف هو الذي يذكر فيه انه وقف على فلان و عقبه فإذا انقرضوا فهو للفقراء و المساكين إلى ان يرث اللّه تعالى الأرض و من عليها قال: و قال آخرون هو مؤقت إذا ذكر انه لفلان و عقبة ما بقوا و لم يذكر في آخره فإذا انقرضوا للفقراء و المساكين و الذي هو غير مؤقت ان يقول: هذا وقف و لم يذكر احداً فما الذي يصح من ذلك و ما الذي يبطل، فوقّع" عليه السلام": (الوقوف بحسب ما يقفها أهلها ان شاء اللّه تعالى
فإن المراد بالمؤقت فيهما هو التوقيت ببقاء الموقوف عليه ما دام الأصل باقياً ينتفع به و غيره مردود على الورثة لانقطاع توقيته فيدخل الأصل الباقي يعد انقراض الموقوف عليه بالمردود لانتفاء التوقيت، فإذا اعتبر هذا التوقيت في الوقف لزم ان يلحظ ذلك قبل اجراء عقده فينظر في استعداد مكث العين الموقوفة مع استعداد بقاء الموقوف عليه المستوفى لثمرتها فإذا قطع الواقف أو ظن ظناً اطمئنانياً باستيفاء ثمرة الأصل للموقوف عليه حتى ينمحي ذلك الاصل صحَّ العقد سواء قرنه بمدة أو أوقفه على من ينقرض أو لا، هذا ما يظهر من النص عند التدبر في معناه و معنى ردّه انه يكون للورثة إذ لم يخرج عنهم لو وقف لفقد التوقيت المعتبر فيه لا انه كالفسخ و الإقالة التي لا تنافي صحة الوقف فمقالة شيخنا هو مؤقت ما دام الموقوف عليه موجوداً و غير مؤقت إذا انقرضوا فيلحق كل حكمة فيه مؤاخذة ضرورة ان ما عاد آخره إلى عدم التوقيت فهو غير مؤقت و غير المؤقت باطل مردود فالمتجه بحسب القواعد