منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٩ - الصورة الأولى أن يكون موجودا ممن يصح ان يملك
المسلمين فغير جائز جزماً و هو المعنى بقوله تعالى [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] و على تقدير الجواز فهو بخلاف ما لو وقف على الكنائس و البيع فإنه لا يصح لما ذكرنا فإنه من تعظيم شعائر الشيطان و قد أمروا ان يكفروا به بل يمكن القول بحرمة ذلك و ان كان فيه تشييد مرقد ولي اللّه إذ اتخذوه معبداً و لم يمنعهم السلطان عنه لتعارض ما قضى بتشيّد شعائر اللّه تعالى و ما قضى بحرمة اعانتهم خصوصاً على ما يؤيد دينهم و يعلي كلمتهم و ترجيح الثاني لا يخلو من قوة لكونه من باب تعارض الواجب و المندوب أمدنا اللّه تعالى ببسط اليد، فنخرجهم من ذي الكفل أذلاء صاغرين و شيخنا بعد ان حكم بالجواز مطلقاً و نفاه في البيع و الكنائس قال: نعم، لا بأس بالوقف على المصالح الراجعة لهم الجائزة لهم كبناء دورهم و نحوها لأنه كالوقف عليهم و ينبغي تقيده بما لا يخرجهم عن الذمة و بما لا يعيشون إلَّا به لو قلنا بالجواز.
و مثله ما لو وقف على معونة الزناة حتى في غير ما يصرف في الزنا و مثله في اللواط و السحاق و كذا قطاع الطريق أو شارب الخمر و يجمعه الوقف على المتهتك المرتكب جهرة لما حرّم اللّه و لو استحل كان كالحربي و يندرج فيهم تارك الصلاة و الصوم و اداء الزكاة و الخمس و الحج في وجه قوى، و كذا لا يجوز لو وقف على كتب ما تسمى الآن بالتوراة و الانجيل لأنها محرّفة فتدخل في كتب الضلال، و لو آمنت من التحريف فهي منسوخة لا تشبه منسوخ الكتاب المجيد للنص على رجحان تلاوته دونها فيؤول في الحقيقة إلى تشيد دينهم لأن الوقف عليها ان لم يرجع إلى الواقف عليهم في جهة خاصة من مصالحهم فهو باطل لما تقدم و ذكر المجلسي ان رسول اللّه" ص" غضب على عمر لما رأى في يده صحيفة فيها شيء من التوراة فقال له: (
أف شك انتَ يا بن الخطاب أ لم ائتِ بها بيضاء نقية و لو كان أخي موسى حيّاً لما وسعه إلَّا اتباعي
)، لكن الاصحاب اطلقوا المنع فيعم ما لو وقف عليها قاصداً للوجه الذي تجوز فيه امساكها و النظر فيها و لو للرد عليها مع انهم استثنوا ذلك في كتب الضلال بل حكموا برجحانه و علل اطلاقهم من حيث ندرة الغرض إلَّا انَّ المتجه المنع و لو لهذا القصد لرجحان دفع المفسدة على جلب المصلحة قاعدة معمول بها عندنا. نعم، مع القطع بعدم المفسدة الظن القوي بالمصلحة ربما يجوز ذلك بتكلف.
و أما لو وقف الكافر على الكتابين و غيرهما من صحفهم و معابدهم جاز لإلزامهم بما ألزموا به انفسهم و اقرارهم على دينهم و تأمل في الجواز المصنف في النافع لقوله و فيه وجه آخر و ذلك ادار الجواز و عدمه مدار لزوم قصد القربة و عدمه فجوّزه حيث لا تعتبر في الوقف إلَّا ان يكون المراد بقصد القربة هو قصدهما ممن يعتقد حصولها و هو ممكن في حق من يعرف اللّه تعالى مطلقاً. نعم، متعذر فيمن ينكر ذلك أصلًا و الظاهر ان معنى الصحة هنا، و في غيره هو اقرارهم على ما تدينوا به و تنزيله منزلة الواقع و إلَّا فلا معنى لصحة ما كان الشرط في صحته الاسلام او الايمان المفقود فيهم فإن التقرب من غير المسلم و ان امكن لا اثر له فلو قلنا باعتبار نية القربة فيه و انه عبادة فلا شك ان صحتها مشروط في الاسلام فيفرق بين وقفهم او الوقف عليهم لو تصور فيه هو رجحان و يتفرع عليه إنا لو اشترطنا نية القربة في الوقف لا يصح وقف الكافر حتى على المسلم بالمعنى الأخص و لم اعثر على متأمل في صحته فيلزم أحد امرين، أما الصحة الاقرارية التي لا تنافي اشتراط القربة، و أما الحكم بعدم اشتراط قصد القربة في الوقف الذي استوجهناه آنفاً، و على كل حال المسلم مطلقاً إذا وقف على الفقراء و لم يعينهم انصرف عرفاً إلى فقراء المسلمين دون غيرهم لشهادة الحال التي تصرف الجمع المعرف إلى ذلك ما لم يقم شاهد حال آخر على ارادته لبعض فرقهم اوهم