منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٧
كغيرها من العقود دون ذلك هو المنقول عن المبسوط و الغنية وفقه الراوندي و الكفاية و غيرها و سائر من تأخر، و يعتبر فيها ما يعتبر في غيرها من العقود اللّازمة كما صرّحوا به و تجري فيها المعاطاة جزماً و تعتبر القربة في عقدها و معاطاتها البتة و هذا انما لا اشكال فيه.
نعم، ظاهر اكثرهم تبعاً لظاهر النص ان ما كان لله تعالى لا رجوع فيه يقتضي لزومها، و ليس شيء من المعاطاة بلازم و اختصاص القربة بالعقدية منها خلاف ما يظهر منهم من شرطيتها مطلقاً فلا مناص عن القول بأنه القربة مما يتحقق به ماهيتها فلا يصدق الاسم عليها بدونها و لا تترتب عليه الآثار فهي و ان صدق عليها الاسم بدونها لغة إلَّا ان الشارع اعتبرها في ماهيتها أما بالنقل بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، و أما بغيره لا أقل من اعتبارها شرطاً للزومها كما في الهبة المعوّضة لو سلمنا صحة اطلاقها بدون القربة و عليه فلا يلزم فيها لفظ مخصوص لعدم توقف اللزوم عليه، و لا اشكال ايضاً في انها تجامع الوقف و الهبة و الابراء و تنفرد بغير ذلك كالزكاة و الكفارة و الهدي و الاضحية و غير ذلك مما لا يندرج في الهدية كبذل الطعام للفقراء و دعوتهم و المبحوث عنه في المقام هي التي تنفرد و إلَّا فكل يلحقه حكمه من افراد المطلق أو العام و يظهر من المحقق الثاني عدم اعتبار القبول ونية القربة فيها لأن الابراء صدقة و هو لا يحتاج إلى القبول لآية [وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ] فأنهم فسّروا الصدقة هنا بالإبراء و لم يلتفت إلى ان ذلك من افرادها الذي يطلق الاسم عليها و هي غير المبحوث عنها و هي التي لا تجامع شيئاً من العقود و ان كانت من افراد العام فالوقف و ان صدق الاسم عليه لا يجامع الصدقة بل هو يختص بحكمه و هي كذلك. نعم، لو لم يكن لها موضوع تنفرد به لكان لعدم اشتراط القبول و القربة فيها وجه، و من احكامها انه لو قبضها المعطي بدون رضاء المالك لم تنتقل إليه لأنه من شروط الصحة و مثله القبض و لا نقض بالمبيع الذي يرتفع الضمان بقبضه من دون اذن البائع للمشتري بذلك إذ هو ليس شرطاً في صحة البيع فيكفي في تحقق المعاوضة قبضه كيف اتفق. نعم، لا يرتفع الخيار بعد القبض و لا غيره من الاحكام التي لا يوجب القبض رفعها، و لذا لا يؤثر التلف قبل القبض في عدم الضمان من جهة عدم تحقق المعاوضة و من شروطها ايضاً نيّة القربة و لا خلاف في اشتراطها بها و آية [وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ] لا تقضي بعد اشتراطها كعدم لزوم القبول فيها لعدم توقف الابراء عليهما و قد عرفت جوابه فإن الصدقة غير الابراء و في حسنة حمّاد أو صحيحته عن ابي عبد اللّه" عليه السلام": (
لا صدقة و لا عتق إلَّا ما اريد به وجه اللّه تعالى
)، و صحيح محمد بن مسلم (
و لا يرجع بالصدقة إذا ابتغى وجه اللّه عزَّ و جل
)، و خبر الحكم (
انما الصدقة لله فما جعل لله تعالى فلا رجعة له
)، و النبوي (
ان الراجع في صدقته كالراجع في قيئه
)، و عليه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض و لو لولي القابض أو وكيله على الأصح عند المعظم لأن المقصود بها الأجر و قد حصل فهي المعوضة من عنها من الهبة و غيرها من العبادة التي لا خيار فيها بل هنا اولى لما سمعته من النص و الاتفاق عليه، و يظهر من الشيخ مساواتها للهبة فكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع فيها و هو ضعيف، كما قيل ان لم يحمل على عدم اشتراط نية القربة فيها مضافاً إلى المحكى عنه في النهاية و عن المقنعة من عدم جواز عودها إليه ببيع أو هبة أو صدقة، بل بجميع العقود الناقلة سوى الميراث فإنه جائز و ذلك مضمون صحيح منصور بن حازم (
اذا تصدّق الرجل بصدقة لم يحل له ان يشتريها و لا يستوهبها و لا يستردها إلا في