منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢٣ - الصورة الثالثة ان يعلم عدمها
بقي الكلام فيما لو وقف على ما ينقطع يقينا وقفة فإن كان لذلك المنقطع مصرف فيمن يدوم و الواقف عليه يدري به و الجهة الخاصة غير قابلة للوقف عليها إلَّا باعتبار ما تصرف فيه فحينئذٍ يبقى الوقف على حاله و مصرفه مصرف الوقف المنقطع لقضية التأييد في الوقف، و لأن الموقوف عليه في المثال هو ما يصرف فيه فالواقف وقف عليه في الحقيقة و ان ذكر الجهة، و أما لو كان الوقف على من ينقرض مما يصح الوقف عليه و قد وقف عليه ايضاً و الواقف عالم بذلك أو جاهل للانقراض فتبين انقطاعه ففي صرفه في وجوه البرّ مع بقاء عينه أو انقطاعه و ان حكمه حكم الموقوف عليه بعد الانقطاع و بطلان الوقف أو التفصيل بين علم الواقف بذلك و عدمه فيحكم في الثاني بالصحة، و في الأول بالبطلان وجوه أجودها بقاء الوقف لصدوره من اهله في محله مطلقاً و صرف نمائه في وجوه البرّ حسبما يراه الناظر الخاص أو العام لتعذر مصرفه بانقطاع ما وقف عليه كالوقف على ما هو موقوف على الأولاد مثلًا أو على فرقة خاصة خمد ذكرها بانقراضها، و القاعدة في كلما تعذر الصرف في وجوه البرّ كما ورد في الوصية في الخبر عن انسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلَّا باباً واحداً منها كيف يصنع في الباقي فوقع الابواب الباقية اجعلها في وجوه البرّ و في آخر.
و فيه لو أوصى رجل بتركته إلى رجل و امره ان يحج عنه قال الوصي: فنظرتُ فإذا شيء يسير لا يكفي للحج فسألتُ الفقهاء في الكوفة فقالوا: تصدق به عنه فتصدق به ثمّ لقى أبا عبد اللّه" عليه السلام" فأخبره بما فعل فقال" عليه السلام": (
ان كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان و ان كان يبلغ فأنت ضامن
). و في اخبار أُخر اجازة بيع ما يهدي إلى الكعبة أو ينذر لها من الأعيان غير الدراهم و صرفها في المنقطعين من زوارها، و كذا المسكوك و الحاصل ان دوام مصلحة الموقوف غير شرط في صحة الموقوف عليه و اللّه العالم.
و لو وقف في وجوه البرّ و اطلق صرف على طريق التخيير في الفقراء أو المساكين و كل مصلحة يتقرب بها إلى اللّه سبحانه و تعالى متى لم يتعين صرفه في وجه خاص لمسيس الحاجة أو للأولوية عند التزاحم، و قد يقال بتعين صرفه مع الحاجة في طلبة العلوم الدينية و لا يجوز تقديم سائر ما يتقرب به عليهم و بعده لا يتحرى الأكمل لإطلاق العنوان و الحكم كأنه عارٍ عن الخلاف، و إن عدد بعضهم سبل البرّ بالجهاد و الحج و العمرة و مصالح المسلمين و معونة الضعفاء و الفقراء فهو من باب المثال لا الحصر، و لو وقف على بني تميم أو على الهاشميين و نحوهم صحَّ كما لو اوصى أو نذرهم و يصرف إلى من يوجد منهم مع عدم امكان حصرهم عدداً، و قيل لا يصح إذا لم يستوعبهم و يتتبع اثرهم و هو لابن حمزة، لأنهم مجهولون و الوقف على المجهول ممنوع، و لكن الأول هو المذهب لخبر النوفلي و ظاهر الاتفاق بل الإجماع على ما سيجيء وشيكاً تفصيله في المسألة العاشرة من الملحقات.
و لو وقف على الذمي جاز كما سلف لأنه كإباحة المنفعة في غير الوقف مما يجوز قطعاً اباحتها لمن يجوز لنا موادته، و قيل لا يصح كما مضى لأنه يشترط فيه نية القربة التي لا تصلح فيه و قدمنا امكان صلوحها بنوع من الانواع في الذمي و غيره مع عدم الدليل على الشرطية لكن المانع قال: إلَّا على أحد الابوين فضلًا عنهما للزوم معاشرتها بالمعروف و تحتم الانفاق عليهما و ان كفرا و عدم جواز تلفهما إلَّا في الجهاد واخذ الدية بقتلهما من الولد و ان هدر دمهما لغيره.
و قيل يصح على مطلق ذوي القرابة للأمر بصلة الرحم مطلقاً، و الأول أشبه و هو الصحة مطلقاً و عدم اشتراط التقرب فيه كما مضى.