تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧
«رصد»: في الأصل مصدر، ويراد به الإستعداد للمراقبة من شيء، ويطلق على الإسم الفاعل والمفعول، ويستعمل في المفرد والجمع، أي يطلق على المراقب والحارس أو على المراقبين والحرّس.
ويراد به هنا الملائكة الذين يبعثهم اللّه مع الوحي إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ليحيطوه من كل جانب، ويحفظوا الوحي من شرّ شياطين الجنّ والإنس ووساوسهم: ومن كل شيء يخدش أصالة الوحي، ليوصلوا الرسالات إلى العباد من دون خدش أو زيادة أو نقصان، وهذا هو دليل من الأدلة على عصمة الأنبياء(عليهم السلام) المحفوظين من الزّلات والخطايا بالإمداد الإلهي والقوّة الغيبية، والملائكة.
في بحثنا للآية الأخيرة التي تنهي السورة تبيان لدليل وجود الحراس والمراقبين فيقول: (
ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم وأحاط لما لديهم وأحصى كل شيء عدداً
)[١].المراد من العلم هنا هو العلم الفعلي، وبعبارة أُخرى ليس معنى الآية أنّ اللّه ما كان يعلم عن أنبيائه شيئاً ثمّ علم، لأنّ العلم الإلهي أزلي وأبدي وغير منتاه، بل إنّ المراد هو تحقق العلم الإلهي في الخارج، ويتخذ لنفسه صورة عينية واضحة، أي ليتحقق إبلاغ الأنبياء ورسالات ربّهم ويتمموا الحجّة بذلك.
* * *
[١]ـ أرجع بعض المفسّرين ضمير (ليعلم) إلى الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: المراد من ذلك هو أنّ اللّه قد جعل لأسرار الوحي والرسالة حفظة وحراساً، وليعلم الرّسول أنّ الملائكة قد أبلغوا إليه الوحي الإلهي فتطمئن نفسه ولا يتردد في أصالة الوحي، ولكن هذا القول في غاية البعد، وذلك لأنّ حمل الرسالة من عمل النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا من عمل الملائكة وعبارة الرّسول في الآية السابقة والرسالات في الآيات التي مضت تخصّ شخص الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا فإنّ التّفسير الأوّل هو الأوجه.