تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١
السماء بناها
)[١].والآية في واقعها جوابٌ لما ذكر من وقولهم في الآيات السابقة: (
أإنّا لمردودون في الحافرة
) ـ أي هل يمكن أن نعود إلى حالتنا الاُولى ـ فكلّ إنسان ومهما بلغت مداركه ومشاعره من مستوى، ليعلم أنّ خلق السماء وما يسبح فيها من نجوم وكواكب ومجرّات، لهو أعقد وأعظم من خلق الإنسان... وإذاً فَمَن له القدرة على خلق السماء وما فيها من حقائق، أيعقل أن يكون عاجزاً عن إعادة الحياة مرّة اُخرى إلى الناس؟!ويضيف القرآن في بيان خلق السماء، فيقول شارحاً بتفصيل: (
رفع سمكها فسواها
).«سمك»: ـ على وزن سقف ـ لغةً: بمعنى الإرتفاع، وجيئت بمعنى (السقف) أيضاً، وعلى قول الفخر الرازي في تفسيره: إنّ الشيء المرتفع لو قيس ارتفاعه من الأعلى إلى الأسفل فالنتيجة تسمّى (عمق)، أمّا لو قيس الإرتفاع من الأسفل إلى الأعلى فهو (سمك)[٢].
«سواها»: من (التسوية)، بمعنى التنظيم، وهي تشير إلى دقّة التنظيم الحاكمة على الأجرام السماوية، وإذا اعتبرنا «سمكها» بمعنى «سقفها»، فهي إشارة إلى الغلاف الجوي الذي حفّ وأحاط بالكرة الأرضية كالسقف المحكم البناء، والذي يحفظها من شدّة آثار الأحجار السماوية، والشهب، والأشعة الكونية والمميتة والمتساقطة عليها باستمرار.
وقيل: إنّ «سواها» إشارة إلى كروية السماء وإحاطتها بالأرض، حيث أنّ التسوية هنا تعني تساوي الفاصلة بين أجزاء هذا السقف نسبة إلى المركز الأصلي (الأرض)، ولا يتحقق ذلك من دون كروية الأرض وما حولها (السماء).
[١]ـ في الآية حذف، والتقدير: (أم السماء أشدّ خلقاً). و«بناها»: جملة استئنافية، وهي مقدّمة للآيات التالية.
[٢]ـ تفسير الفخر الرازي، ج٣١، الآية المبحوثة.