تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩
حشرات الأرض، وصنف كنبي آدم عليهم الحساب والعقاب»[١].
وبالتوجه إلى هذه الرّوايات ومفهومها فسوف تحلّ الكثير من المشاكل التي تطرح في الرّوايات والقصص الخاصّة بالجن.
ففي رواية وردت عن أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: «لا تشرب الماء من ثلمة الإناء ولا عروته، فإنّ الشيطان يقعد على العروة والثلمة».[٢] لأنّ الشيطان هو من الجن، ولأنّ ثلمة الإناء وعروته محل لإجتماع المكروبات المتنوعة، فلا يستبعد أن يكون الجن والشيطان بمفهومه العام شاملاً لمثل هذه الكائنات، وإن كان المعنى الخاص له هو الكائن ذو فهم وشعور وإنّه مكلّف ومسؤول، والرّوايات كثيرة في هذا الباب.
ربّنا! ألطف بنا يوم يحضر الجن والإنس في محكمة عدلك، ويوم يندم المسيؤون على ما عملوا.
اللّهم! إنّ أركان ملكك واسعة ومعرفتنا ومعلوماتنا محدودة، فاحفظنا وصنّا من المزالق والخطايا والحكم بغير الحقّ.
إلهنا! إنّ مقام رسولك الكريم من العظمة والسمو أن آمن به الجن مضافاً إلى الإنس، فاجعلنا من المؤمنين بدعوته...
آمين ربّ العالمين
انتهاء سورة الجن
* * *
[١]ـ سفينة البحار، ج١، ص١٨٦ (مادة الجن).
[٢]ـ الكافي، ج٦، ص٣٨٥، كتاب الأشربة، باب الأواني، الحديث ٥.
سُورَة المُزَّمِّل مَكيَّة
وَعَدَدُ آيَآتِهَا عشرون آية
«سورة المزّمّل» محتوى السورة: يدل سياق السورة على وجود تشابه بينها وبين المكية الأُخرى، ولهذا يستبعد ما قاله البعض من أنّها مدنية، واختلاف سياق الآيات الأُولى والأخيرة منها يشير إلى نزوله في فترات متعددة وطويلة، فقد ذكر البعض: إنّه نزلت في ثمانية أشهر وقيل: سنة، وقيل: عشر سنوات.[١]
إنّ الكثير من آيات هذه السورة تشير إلى أنّها نزلت عند بدء الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لدعوته العلنية، وإعتراض المخالفين وتكذيبهم له، ولكن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أمر بالمسالمة والمجازاة لهم، ولذا يبعد احتمال نزولها جميعاً في أوّل دعوته(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن احتمال ذلك في شأن الآيات الأُولى لها، وأمّا البقية فليست كذلك، لأنّ آياتها تشير إلى سعة الإسلام والدعوة، وذلك على نطاق مكّة على الأقل، وبروز مخالفة المخالفين وصراعهم مع الحق، وهذا ما لم يحصل في السنوات الثلاث الأُولى للدعوة.
ووردت روايات مختلفة ومتفاوتة في سبب نزول السورة أو بعض الآيات منها، ففي بعض الرّوايات أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما استلم البلاغ الإلهي الأوّل رجع إلى خديجة وفؤاده يرتجف فقال: «زملوني» فنزل جبرائيل(عليه السلام) بـ (
أيّها المزّمل
).
[١]ـ راجع تفسير الدر المنثور، ج٦، ص٢٧٦، ومجمع البيان، ج١٠، ص٣٧٧.