المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٣٩ - باب آخر في الغنيمة
الذى يفادى به كان أولى (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فبهذا تبين أن قتل المشرك عند التمكن منه فرض محكم وفى المفاداة ترك اقامة هذا الفرض وسورة براءة من آخر ما نزل فكانت هذه الآية قاضية على قوله تعالى فاما منا بعد واما فداء على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفاداة الاسارى يوم بدر كيف وقد قال تعالى لولا كتاب من الله اسبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال صلى الله عليه وسلم لو نزل العذاب مانجى منه الا عمر فانه كان أشار بقتلهم واستقصي في ذلك وقال تعالىوان يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم فما أخبر الله تعالى عن الامم السالفة على وجه الانكار عليهم ففائدتنا أن لانفعل مثل ما فعلوا وحديث أبى بكر رضى الله عنه في الاسير حيث قال لاتفادوه وان أعطيتم به مدين من ذهب ولانه صار من أهل دارنا فلا يجوز اعادته إلى دار الحرب ليكون حربا علينا بمال يؤخذ منه كأهل الذمة وبه فارق الاسترقاق لان في ذلك تقرير كونه من أهل دارنا لا لمقصود المال كأخذ الجزية من أهل الذمة ولان تخلية سبيل المشرك ليعود حربا للمسلمين معصية وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز وقتل المشرك فرض ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة إلى المال فكذلك لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة يوضحه أن في هذا تقوية المشركين بمعنى يختص بالقتال وذلك لا يجوز لمنفعة المال كما لا يجوز بيع الكراع والسلاح منهم بل أولى لان قوة القتال بالمقاتل أظهر منه بآلة القتال وعن ممحد رحمه الله تعالى قال لا يجوز المفاداة للشيخ الكبير الذى لا يرجي له نسل ولا رأى له في الحرب بالمال لان مثله لا يقتل وليس في المفاداة ترك القتل المستحق ولا تقوية المشركين باعادة المقاتل إليهم فهو كبيع الطعام وغيره من الاموال منهم فأما مفاداة الاسير بالاسير لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي رواية عنه أنه جوز ذلك وهو قولهما لان في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين وذلك جائز كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح أو غير ذلك وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان قتل المشركين فرض محكم فلا يجوز تركه بالمفاداة وهذا لانه إذ ابتلى الاسير المسلم بعذاب أو فتنة من جهتهم فذلك لا يكون مضافا إلى فعل المسلم وإذا خلينا سبيل المشرك ليعود حربا لنا فذلك بفعل مضاف الينا فمراعاة هذا الجانب أولى وهذا لانا أمرنا ببذل النفوس والاموال لنتوصل إلى