إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - القسم الثاني و هو أن يسافر لأجل العبادة
بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات،فما له و للتردد في الفلوات، و له غنية في ملكوت السموات،فالشمس و القمر و النجوم بأمره مسخرات،و هي إلى أبصار ذوي البصائر مسافرات في الشهر و السنة مرات،بل هي دائبة في الحركة على توالى الأوقات، فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد،من أمرت الكعبة أن تطوف به،و من الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض،من تطوف به أقطار السماء،ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك و الشهادة بالبصر الظاهر،فهو يعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى اللّه و المسافرين إلى حضرته،و كأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء، و لا سبب لطول المقام في هذا المنزل،إلا الجبن و القصور،و لذلك قال بعض أرباب القلوب:إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا،و أنا أقول:غمضوا أعينكم حتى تبصروا،و كل واحد من القولين حق،إلا أن الأول خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن،و الثاني خبر عما بعده من المنازل البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه و المجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين،و ربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده إلى سواء السبيل و الهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق،و لكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم و الملك المقيم،و هم الذين سبقت لهم من اللّه الحسني،و اعتبر هذا الملك بملك الدنيا فإنه يقل بالإضافة إلى كثرة الخلق طلابه،و مهما عظم المطلوب قل المساعد،ثم الذي يهلك أكثر من الذي يملك،و لا يتصدى لطلب الملك العاجز الجبان لعظيم الخطر و طول التعب
و إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
و ما أودع اللّه العز و الملك في الدين و الدنيا إلا في حيز الخطر،و قد يسمى الجبان الجبن و القصور،باسم الحزم و الحذر،كما قيل
ترى الجبناء أن الجبن حزم و تلك خديعة الطبع اللئيم
فهذا حكم السفر الظاهر إذا أريد به السفر الباطن بمطالعة آيات اللّه في الأرض،فلنرجع إلى الغرض الذي كنا نقصده و لنبين
القسم الثاني:و هو أن يسافر لأجل العبادة
إما لحج أو جهاد و قد ذكرنا فضل ذلك