إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - و يستحب الرفق بالولد
قالوا قد أطلت السجود يا رسول اللّه،حتى ظننا أنه قد حدث أمر!فقال«إنّ ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضى حاجته»و في ذلك فوائد:إحداها القرب من اللّه تعالى.فإن العبد أقرب ما يكون من اللّه تعالى إذا كان ساجدا،و فيه الرفق بالولد،و البر و تعليم لأمته.و قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«ريح الولد من ريح الجنّة و قال يزيد بن معاوية أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس،فلما وصل إليه قال له يا أبا بحر،ما تقول في الولد؟قال يا أمير المؤمنين،ثمار قلوبنا،و عماد ظهورنا،و نحن لهم أرض ذليلة،و سماء ظليلة،و بهم نصول على كل جليلة،فإن طلبوا فأعطهم،و إن غضبوا فأرضهم،يمنحوك ودهم،و يحبوك جهدهم،و لا تكن عليهم ثقلا ثقيلا،فيملوا حياتك،و يودوا وفاتك،و يكرهوا قربك.
فقال له معاوية.للّٰه أنت يا أحنف!لقد دخلت علىّ و أنا مملوء غضبا و غيظا على يزيد.فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد،و بعث إليه بمائتي ألف درهم،و مائتي ثوب.
فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم،و مائة ثوب،فقاسمه إياها على الشطر.
فهذه هي الأخبار الدالة على تأكد حق الوالدين،و كيفية القيام بحقهما!تعرف مما ذكرناه في حق الأخوة.فإن هذه الرابطة آكد من الأخوة،بل يزيد هاهنا أمران:أحدهما أن أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين واجبة في الشبهات،و إن لم تجب في الحرام المحض حتى إذا كانا يتنغصان بانفرادك عنهما بالطعام،فعليك أن تأكل معهما،لأن ترك الشبهة ورع و رضا الوالدين حتم.و كذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما.و المبادرة إلى الحج الذي هو فرض الإسلام نفل،لأنه على التأخير.و الخروج لطلب العلم نفل إلا إذا كنت تطلب علم الفرض من الصلاة و الصوم،و لم يكن في بلدك من يعلمك.و ذلك كمن يسلم ابتداء في بلد ليس فيها من يعلمه شرع الإسلام،فعليه الهجرة،و لا يتقيد بحق الوالدين قال أبو سعيد الخدري.هاجر رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]من اليمن و أراد الجهاد، فقال عليه السلام«هل باليمن أبواك؟»قال نعم قال«هل أذنا لك؟»