إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٠ - و هو علم القبلة و الأوقات
و أما فعل الصحابة رضي اللّه عنهم:فما روي[١]أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس،مستدبرين الكعبة،لأن المدينة بينهما،فقيل لهم الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة،و لم ينكر عليهم و سمي مسجدهم ذا القبلتين، و مقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها،فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة و في ظلمة الليل،و يدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة و في سائر بلاد الإسلام،و لم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب،و مقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق النظر الهندسى و أما القياس:فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال و بناء المساجد في جميع أقطار الأرض و لا يمكن مقابلة العين إلا بعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر فيها،بل ربما يزجر عن التعمق في علمها،فكيف ينبنى أمر الشرع عليها فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة و أما دليل صحة الصورة التي صورناها و هو حصر جهات العالم في أربع جهات،فقوله عليه السلام في آداب قضاء الحاجة[٢]«لا تستقبلوا بها القبلة و لا تستدبروها و لكن شرّقوا أو غرّبوا» و قال هذا بالمدينة،و المشرق على يسار المستقبل بها،و المغرب على يمينه،فهي عن جهتين و رخص في جهتين، و مجموع ذلك أربع جهات،و لم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ست،أو سبع،أو عشر،و كيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقة الإنسان،و ليس له إلا أربع جهات،قدام و خلف و يمين و شمال،فكانت الجهات بالإضافة إلى الإنسان في ظاهر النظر أربعا،و الشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الاعتقادات،فظهر أن المطلوب الجهة،و ذلك يسهل أمر الاجتهاد فيها و تعلم به أدلة القبلة فأما مقابلة العين:فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الاستواء، و مقدار درجات طولها،و هو بعدها عن أول عمارة في المشرق،ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلى