إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٧ - و هو علم القبلة و الأوقات
كالاستدلال بالرياح شمالها و جنوبها،و صباها و دبورها،و سماوية،و هي النجوم فأما الأرضية و الهوائية فنختلف باختلاف البلاد،فرب طريق فيه جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل،أو شماله أو ورائه،أو قدّامه،فليعلم ذلك و ليفهمه،و كذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليفهم ذلك،و لسنا نقدر على استقصاء ذلك إذ لكل بلد و إقليم حكم آخر و أما السماوية،فأداتها تنقسم إلى نهارية و إلى ليلية.أما النهارية فالشمس،فلا بد أن يراعي قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أين تقع منه،أ هي بين الحاجبين،أو على العين اليمنى،أو اليسرى،أو تميل إلى الجبين ميلا أكثر من ذلك،فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع،فإذا حفظ ذلك فمهما عرف الزوال بدليله الذي سنذكره عرف القبلة به،و كذلك يراعى مواقع الشمس منه وقت العصر،فإنه في هذين الوقتين يحتاج إلى القبلة بالضرورة،و هذا أيضا لما كان يختلف بالبلاد فليس يمكن استقصاؤه، و أما القبلة وقت المغرب فإنها تدرك بموضع الغروب و ذلك بأن يحفظ أن الشمس تغرب عن يمين المستقبل،أو هي مائلة إلى وجهه،أو قفاه؟و بالشفق أيضا تعرف القبلة للعشاء الأخيرة و بمشرق الشمس تعرف القبلة لصلاة الصبح،فكأن الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس و لكن يختلف ذلك بالشتاء و الصيف،فإن المشارق و المغارب كثيرة،و إن كانت محصورة في جهتين فلا بد من تعلم ذلك أيضا،و لكن قد يصلى المغرب و العشاء بعد غيبوبة الشفق فلا يمكنه أن يستدل على القبلة به،فعليه أن يراعي موضع القطب و هو الكوكب الذي يقال له الجدي،فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته عن موضعه،و ذلك إما أن يكون على قفا المستقبل،أو على منكبه الأيمن من ظهره،أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة،و في البلاد الجنوبية كاليمن و ما والاها،فيقع في مقابلة المستقبل،فيتعلم ذلك،و ما عرفه في بلده فليعول عليه في الطريق كله إلا إذا طال السفر،فإن المسافة إذا بعدت اختلفت موقع الشمس، و موقع القطب،و موقع المشارق و المغارب،إلا أن ينتهى في أثناء سفره إلى بلاد فينبغي أن يسأل أهل البصيرة،أو يراقب هذه الكواكب،و هو مستقبل محراب جامع البلد،حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها ،فإن بان له