إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٥ - السابع سماع من أحب اللّه و عشقه
حسن المحبوب،و هذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله،كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغى إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها،فيحظى بالمشاهدة البصر،و بالسماع الأذن و يفهم لطائف معانى الوصال و الفراق القلب،فتترادف أسباب اللذة، فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا و متاعها،و ما الحياة الدنيا إلا لهو و لعب، و هذا منه،و كذلك إن غضبت منه جارية،أو حيل بينه و بينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه،و أن يستثير به لذة رجاء الوصال،فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده،إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال و اللقاء،و أما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يحل له النظر إليها،و كان ينزل ما يسمع على ما تمثل في نفسه،فهذا حرام،لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة و مهيج للداعية إلى ما لا يباح الوصول إليه،و أكثر العشاق و السفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك،و ذلك ممنوع في حقهم،لما فيه من الداء الدفين،لا لأمر يرجع إلى نفس السماع،و لذلك سئل حكيم عن العشق، فقال:دخان يصعد إلى دماغ الإنسان،يزيله الجماع و يهيجه السماع
السابع:سماع من أحب اللّه و عشقه
،و اشتاق إلى لقائه،فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه سبحانه،و لا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه،فالسماع في حقه مهيج لشوقه و مؤكد لعشقه و حبه،و مور زناد قلبه،و مستخرج منه أحوالا من المكاشفات و الملاطفات لا يحيط الوصف بها،يعرفها من ذاقها،و ينكرها من كلّ حسه عن ذوقها،و تسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية و جدا مأخوذ من الوجود،و المصادفة أي صادف من نفسه أحوالا لم يكن يصادفها قبل السماع، ثم تكون تلك الأحوال أسبابا لروادف و توابع لها تحرق القلب بنيرانها و تنقيه من الكدرات،كما تنقى النار الجواهر المعروضة عليها من الخبث،ثم يتبع الصفاء الحاصل به مشاهدات و مكاشفات،و هي غاية مطالب المحبين للّٰه تعالى،و نهاية ثمرة القربات كلها،فالمفضى إليها من جملة القربات،لا من جملة المعاصي و المباحات،و حصول هذه الأحوال للقلب بالسماع سببه سر اللّه تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح،و تسخير الأرواج لها و تأثرها بها شوقا،و فرحا و حزنا،و انبساطا و انقباضا،و معرفة السبب في تأثر الأرواح