إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣ - الفائدة الثالثة
و روى أبو سعيد الخدري،أنه صلّى اللّه عليه و سلم[١]قال«يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال و مواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن من شاهق إلى شاهق»و روى عبد اللّه بن مسعود،أنه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]قال«سيأتي على النّاس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلاّ من فرّ بدينه من قرية إلى قرية و من شاهق إلى شاهق و من حجر إلى حجر كالثّعلب الّذي يروغ»قيل له و متى ذلك يا رسول اللّه؟قال «إذا لم تنل المعيشة إلاّ بمعاصي اللّه تعالى فإذا كان ذلك الزّمان حلّت العزوبة»قالوا و كيف ذلك يا رسول اللّه و قد أمرتنا بالتزويج؟قال«إذا كان ذلك الزّمان كان هلاك الرّجل على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته و ولده فإن لم يكن فعلى يدي قرابته»قالوا و كيف ذلك يا رسول اللّه؟قال«يعيّرونه بضيق اليد فيتكلّف ما لا يطيق حتّى يورده ذلك موارد الهلكة» و هذا الحديث و إن كان في العزوبة فالعزلة مفهومة منه.إذ لا يستغنى المتأهل عن المعيشة و المخالطة.ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية اللّه تعالى.و لست أقول هذا أو ان ذلك الزمان،فلقد كان هذا بأعصار قبل هذا العصر.
و لأجله قال سفيان:و اللّه لقد حلت العزلة.و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه:ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٣]أيام الفتنة و أيام الهرج،قلت و ما الهرج؟قال«حين لا يأمن الرّجل جليسه»قلت:فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟قال«كفّ نفسك و يدك و ادخل دارك»قال قلت يا رسول اللّه أ رأيت إن دخل عليّ دارى؟قال«فادخل بيتك»