إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - الفائدة السادسة
خرج من باب جامع الفسطاط، و قد أقبل ابن عبد الحكم في موكبه،فبهره ما رأى من حسن حاله و حسن هيئته،فتلا قوله تعالى وَ جَعَلْنٰا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ [١]ثم قال:بلى أصبر و أرضى.و كان فقيرا مقلا.فالذي هو في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن فإن من شاهد زينة الدنيا،فإما أن يقوى دينه و يقينه فيصبر،فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر،و هو أمرّ من الصبر،أو تنبعث رغبته،فيحتال في طلب الدنيا،فيهلك هلاكا مؤبدا،أما في الدنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات،فليس كل من يطلب الدنيا تتيسر له،و أما في الآخرة فبإيثاره متاع الدنيا على ذكر اللّه تعالى و التقرب إليه.و لذلك قال ابن الأعرابي
إذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العليا من جانب الفقر
أشار إلى أن الطمع يوجب في الحال ذلا
الفائدة السادسة
الخلاص من مشاهدة الثقلاء و الحمقى
،و مقاساة حمقهم و أخلاقهم.فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر.قيل للأعمش:ممّ عمشت عيناك؟قال من النظر إلى الثقلاء و يحكى أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال:في الخبر أن[١]من سلب اللّه كريمتيه عوضه اللّه عنهما ما هو خير منهما، فما الذي عوضك؟فقال في معرض المطايبة: عوضني اللّه منهما أنه كفاني رؤية الثقلاء و أنت منهم. و قال ابن سيرين:سمعت رجلا يقول:نظرت إلى ثقيل مرة فغشى علىّ.و قال جالينوس: لكل شيء حمى،و حمى الروح النظر إلى الثقلاء.و قال الشافعي رحمه اللّه:ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني،كأنه أثقل علىّ من الجانب الآخر
[١] الفرقان:٢٠