إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦ - الفصل الأول
الباب الأوّل
في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع
و في نية السفر و فائدته و فيه فصلان
الفصل الأول
في فوائد السفر و فضله و نيته
اعلم أن السفر نوع حركة و مخالطة،و فيه فوائد و له آفات كما ذكرناه في كتاب الصحبة و العزلة،و الفوائد الباعثة على السفر لا تخلو من هرب أو طلب،فإن المسافر إما أن يكون له مزعج عن مقامه، و لولاه لما كان له مقصد يسافر إليه،و إما أن يكون له مقصد و مطلب،و المهروب عنه إما أمر له نكاية في الأمور الدنيوية،كالطاعون و الوباء إذا ظهر ببلد،أو خوف سببه فتنة،أو خصومة،أو غلاء سعر،و هو إما عام كما ذكرناه أو خاص كمن يقصد بأذية في بلدة فيهرب منها،و إما أمر له نكاية في الدين،كمن ابتلى في بلده بجاه و مال و اتساع أسباب تصده عن التجرد للّٰه،فيؤثر الغربة و الخمول،و يجتنب السعة و الجاه،أو كمن يدعى إلى بدعة قهرا،أو إلى ولاية عمل لا تحل مباشرته،فيطلب الفرار منه،و أما المطلوب فهو إما دنيوى كالمال و الجاه، أو ديني،و الديني إما علم و إما عمل و العلم إما علم من العلوم الدينية،و إما علم بأخلاق نفسه و صفاته على سبيل التجربة و إما علم بآيات الأرض و عجائبها،كسفر ذي القرنين و طوافه في نواحي الأرض، و العمل إما عبادة،و إما زيارة،و العبادة هو الحج و العمرة و الجهاد و الزيارة أيضا من القربات،و قد يقصد بها مكان كمكة و المدينة و بيت المقدس و الثغور فإن الرباط بها قربة،و قد يقصد بها الأولياء و العلماء،و هم إما موتى فتزار قبورهم،و إما أحياء فيتبرك بمشاهدتهم،و يستفاد من النظر إلى أحوالهم قوة الرغبة في الاقتداء بهم،فهذه هي أقسام الأسفار،و يخرج من هذه القسمة أقسام