إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٥ - و احتجوا بما روى جابر رضي اللّه عنه
و احتجوا بقوله تعالى أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لاٰ تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ [١]قال ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الغناء بلغة حمير،يعنى السمد، فنقول ينبغي أن يحرم الضحك و عدم البكاء أيضا،لأن الآية تشتمل عليه فإن قيل:إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم،فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم و غنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين،كما قال تعالى وَ الشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغٰاوُونَ [٢]و أراد به شعراء الكفار،و لم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه
و احتجوا بما روى جابر رضي اللّه عنه
أنه صلّى اللّه عليه و سلم[١]قال«كان إبليس أوّل من ناح و أوّل من تغنّى»فقد جمع بين النياحة و الغناء،قلنا لا جرم كما استثنى منه نياحة داود عليه السلام،و نياحة المذنبين على خطاياهم،فكذلك يستثنى الغناء الذي يراد به تحريك السرور و الحزن و الشوق،حيث يباح تحريكه،بل كما استثنى غناء الجاريتين يوم العيد في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و غناؤهن عند قدومه عليه السلام بقولهن:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
و احتجوا بما روى أبو أمامة عنه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]أنه قال«ما رفع أحد صوته بغناء إلاّ بعث اللّه له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتّى يمسك» قلنا:هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي قدمناه،و هو الذي يحرك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة،و عشق المخلوقين،فأما ما يحرك الشوق إلى اللّه و السرور بالعيد أو حدوث الولد.أو قدوم الغائب،فهذا كله يضاد مراد الشيطان،بدليل قصة الجاريتين و الحبشة، و الأخبار التي نقلناها من الصحاح، فالتجويز في موضع واحد نص في الإباحة
[١] النجم:٥٩،٦٠،٦١
[٢] الشعراء:٤٢٢