إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧ - السابع سماع من أحب اللّه و عشقه
و غير ذلك من الخصال،ثم لا يعقل عشق من ترى الخيرات منه،بل على التحقيق من لا خير و لا جمال و لا محبوب في العالم إلا و هو حسنة من حسناته،و أثر من آثار كرمه و غرفة من بحز جوده،بل كل حسن و جمال في العالم أدرك بالعقول و الأبصار و الأسماع و سائر الحواس من مبتدإ العالم إلى منقرضة،و من ذروة الثريا إلى منتهى الثرى،فهو ذرة من خزائن قدرته،و لمعة من أنوار حضرته فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه،و كيف لا يتأكد عند العارفين بأوصافه حبه،حتى يجاوز حدا يكون إطلاق اسم العشق عليه ظلما في حقه،لقصوره عن الأنباء عن فرط محبته،فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره،و استتر عن الأبصار بإشراق نوره،و لو لا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار الملاحظين لجمال حضرته و لو لا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول، و دهشت القلوب و تخاذلت القوى،و تنافرت الأعضاء،و لو ركبت القلوب من الحجارة و الحديد لأصبحت تحت مبادى أنوار تجليه دكا دكا،فأنى تطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش،و سيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة، و يتضح أن محبة غير اللّه تعالى قصور و جهل،بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير اللّه تعالى،إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا اللّه و أفعاله،و من عرف الأفعال من حيث إنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره،فمن عرف الشافعي مثلا رحمه اللّه و علمه و تصنيفه من حيث إنه تصنيفه،لا من حيث إنه بياض و جلد و حبر و ورق و كلام منظوم و لغة عربية،فلقد عرفه و لم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره،و لا جاوزت محبته إلى غيره،فكل موجود سوى اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه تعالى و فعله،و بديع أفعاله فمن عرفها من حيث هي صنع اللّه تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كما يرى من حسن التصنيف فضل المصنف،و جلالة قدره،كانت معرفته و محبته مقصورة على اللّه تعالى،غير مجاوزة إلى سواه، و من حد هذا العشق أنه لا يقبل الشركة،و كل ما سوى هذا العشق فهو قابل للشركة،إذ كل محبوب سواه يتصور له نظير،إما في الوجود،و إما في الإمكان،فأما هذا الجمال فلا يتصور له ثان،لا في الإمكان و لا في الوجود، فكان اسم العشق على حب غيره