إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٦ - و أما الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
الفائدة الثانية
التخلص بالعزلة عن المعاصي
التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة،و يسلم منها في الخلوة و هي أربعة:الغيبة،و النميمة،و الرياء،و السكوت عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و مسارقة الطبع من الأخلاق الرديئه و الأعمال الخبيثة،التي يوجبها الحرص على الدنيا
أما الغيبة
،فإذا عرفت من كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات وجوهها،عرفت أن التحرز عنها مع المخالطة عظيم،لا ينجو منها إلا الصديقون.فإن عادة الناس كافة التمضمض بأعراض الناس،و التفكه بها،و التنقل بحلاوتها،و هي طعمتهم و لذتهم،و إليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة.فإن خالطتهم و وافقتهم أثمت و تعرضت لسخط اللّه تعالى،و إن سكت كنت شريكا،و المستمع أحد المغتابين،و إن أنكرت أبغضوك،و تركوا ذلك المغتاب و اغتابوك،فازدادوا غيبة إلى غيبة،و ربما زادوا على الغيبة و انتهوا إلى الاستخفاف و الشتم
و أما الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
،فهو من أصول الدين،و هو واجب كما سيأتي بيانه في آخر هذا الربع،و من خالط الناس فلا يخلو عن مشاهدة المنكرات،فإن سكت عصى اللّه به،و إن أنكر تعرض لأنواع من الضرر.إذ ربما يجره طلب الخلاص منها إلى معاص هي أكبر مما نهى عنه ابتداء.و في العزلة خلاص من هذا،فإن الأمر في إهماله شديد،و القيام به شاق.و قد قام أبو بكر رضي اللّه عنه خطيبا و قال: أيها الناس[١]إنكم تقرءون هذه الآية يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاٰ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [١]و إنكم تضعونها في غير موضعها،و إنى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول«إذا رأى النّاس المنكر فلم يغيّروه أو شك أن يعمّهم اللّه بعقاب» و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ اللّه ليسأل العبد حتّى يقول له ما منعك إذا رأيت المنكر في الدّنيا أن تنكره؟فإذا لقّن اللّه لعبد حجّته قال يا ربّ رجوتك و خفت النّاس»
[١] المائدة:١٠٥