إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - الفائدة السابعة
و أنّ أحدا لا يقدر على أن يضره و لا ينفعه،و عبد سقطت نفسه عن قلبه،فلا يبالي بأي حال يرونه. و قال الشافعي رحمه اللّه:ليس من أحد إلا و له محب و مبغض،فإذا كان هكذا فكن مع أهل طاعة اللّه. و قيل للحسن يا أبا سعيد،إن قوما يحضرون مجلسك،ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامك،و تعنيتك بالسؤال.فتبسم و قال للقائل:هون على نفسك فإنى حدثت نفسي بسكنى الجنان و مجاورة الرحمن فطمعت،و ما حدثت نفسي بالسلامة من الناس،لأني قد علمت أن خالقهم و رازقهم و محييهم و مميتهم لم يسلم منهم.و قال موسى صلّى اللّه عليه و سلم:يا رب احبس عنى ألسنة الناس.فقال يا موسى هذا شيء لم أصطفه لنفسي فكيف أفعله بك!و أوحى اللّه سبحانه و تعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأنى أجعلك علكا في أفواه الماضغين،لم أكتبك عندي من المتواضعين.فإذا من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس و أقوالهم فيه،فهو في عناء حاضر في الدنيا وَ لَعَذٰابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ [١]فإذا لا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات بربه ذكرا و فكرا،و عبادة و علما،بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته،و كثرت آفاته،و لتشوشت عليه عباداته.
فهذه غوائل خفية في اختيار العزلة،ينبغي أن تتقى،فإنها مهلكات في صور منجيات
الفائدة السابعة
التجارب.
فإنها تستفاد من المخالطة للخلق و مجاري أحوالهم.و العقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين و الدنيا.و إنما تفيدها التجربة و الممارسة.و لا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب.فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا.بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم،و يحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب،و يكفيه ذلك،و يحصل بقية التجارب بسماع الأحوال،و لا يحتاج إلى المخالطة.
و من أهم التجارب أن يجرب نفسه و أخلاقه و صفات باطنه.و ذلك لا يقدر عليه في الخلوة فإن كل مجرب في الخلاء يسر،و كل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه لم يترشح منه خبثه
[١] الزمر:٢٦