إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٤ - الدرجة الثالثة الموزون و المفهوم و هو الشعر
و إن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في هذا تشبها بأهل الفساد،بل لهذا ينهى عن لبس القباء و عن ترك الشعر على الرأس قزعا في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل الفساد و لا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر،لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي و الأوتار كلها كالعود و الصنج و الرباب و البربط و غيرها و ما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة،و الحجيج و شاهين الطبالين،و كالطبل و القضيب و كل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب،لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر،و لا يذكر بها و لا يشوق إليها و لا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة،قياسا على أصوات الطيور و غيرها، بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضا،و بهذا يتبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس تحليل الطيبات كلها،إلا ما في تحليله فساد قال اللّه تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ [١]فهذه الأصوات لا تحرم من حيث إنها أصوات موزونة،و إنما تحرم بعارض آخر كما سيأتي في العوارض المحرمة
الدرجة الثالثة:الموزون و المفهوم و هو الشعر
،و ذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما و الكلام المفهوم غير حرام،و الصوت الطيب الموزون غير حرام،فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع،نعم ينظر فيما يفهم منه،فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره و نظمه و حرم النطق به، سواء كان بألحان أو لم يكن و الحق فيه ما قاله الشافعي رحمه اللّه،إذ قال:الشعر كلام،فحسنه حسن،و قبيحه قبيح، و مهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت و ألحان جاز إنشاده مع الألحان،فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا،و مهما انضم مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظور الا تتضمنه الآحاد و لا محظور هاهنا، و كيف ينكر إنشاد الشعر و قد أنشد بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]
[١] الأعراف:٢٢