إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد
فكم من راهب معتزل تعرفه كافة الناس.و كم من مخالط خامل لا ذكر له و لا شهرة فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة.و احتجوا بما روي أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال لأصحابه[١]«ألا أنبئكم بخير النّاس؟»قالوا بلى يا رسول اللّه.فأشار بيده نحو المغرب و قال«رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه ينتظر أن يغير أو يغار عليه.ألا أنبئكم بخير النّاس بعده؟»و أشار بيده نحو الحجاز و قال«رجل في غنمه يقيم الصّلاة و يؤتى الزّكاة و يعلم حقّ اللّه في ماله اعتزل شرور النّاس» فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين، فلا بد من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة و غوائلها،و مقايسة بعضها بالبعض،ليتبين الحق فيها.
الباب الثاني
في فوائد العزلة و غوائلها و كشف الحق في فضلها
اعلم أن اختلاف الناس في هذا يضاهي اختلافهم في فضيلة النكاح و العزوبة.و قد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص،بحسب ما فصلناه من آفات النكاح و فوائده.فكذلك القول فيما نحن فيه.فلنذكر أولا فوائد العزلة،و هي تنقسم إلى فوائد دينية و دنيوية،و الدينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة،و المواظبة على العبادة،و الفكر و تربية العلم،و إلى تخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض الإنسان لها بالمخالطة كالرياء و الغيبة.و السكوت عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،و مسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة و الأعمال الخبيثة،من جلساء السوء.و أما الدنيوية،فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة،كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرض لها بالمخالطة،كالنظر إلى زهرة الدنيا و إقبال الخلق عليها،و طمعه في الناس،و طمع الناس فيه،و انكشاف ستر مروءته بالمخالطة،و التأذى بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه،أو نميمته أو محاسدته أو التأذى بثقله و تشويه خلقته،و إلى هذا ترجع
مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد